في السياسة ، المشكلة ليست دائماً في غياب من يحذّر ، بل في عدم تحويل التحذير إلى قرار فعّال . لبنان مرّ بمحطات كثيرة كان فيها من يرى الخطر بوضوح ، لكن الدولة لم تتصرّف على هذا الأساس .
في أواخر الستينيات ، كان العميد ريمون إدّه من القلائل الذين تحدثوا بصراحة عن المخاطر التي تهدد لبنان ، وخصوصاً من جهة إسرائيل . لم يكن خطابه شعبوياً ، بل قراءة واقعية للأحداث : أطماع بمياه الليطاني ، احتمال توسّع العمليات جنوباً ، وحتى سيناريوهات تهجير السكان .
في تلك الفترة ، لم يكن لبنان ضعيفاً كما أصبح لاحقاً . الجيش اللبناني كان قادراً على المواجهة ، وأي مغامرة عسكرية لم تكن لتكون سهلة أو قليلة الكلفة . الجبهة الداخلية كانت أكثر تماسكاً ، ما منح الدولة هامشاً أوسع لاتخاذ القرار .
هذا لم يكن مجرد كلام نظري . ففي إحدى المحطات ، يُنقل عن اللواء فؤاد شهاب موقف واضح أثناء أزمة داخلية ، حيث قال لأركانه : افتحوا جبهة الجنوب . بغض النظر عن سياق العبارة ، كان فتح الجبهة وسيلة لامتصاص الأزمة الداخلية ، ومؤشراً على قدرة الجيش اللبناني على المواجهة .
لكن المشكلة كانت أن هذه القوة لم تُترجم إلى سياسة واضحة . بعض المسؤولين اعتقدوا أن العدو غير قادر على خوض مواجهة كبيرة ، فتم التعامل مع التحذيرات وكأنها مبالغة . لم تُوضع خطط جدية ، لا على المستوى العسكري ، ولا اللوجستي ، ولا حتى على مستوى إدارة الأزمات . لم يكن هناك تحضير لاحتمال نزوح ، ولا تصور واضح لكيفية التعامل مع تصعيد محتمل .
المشكلة لم تكن في نقص المعلومات ، بل في غياب القرار . التأجيل المستمر والرهان على أن الأسوأ لن يحدث ، بينما الطرف الآخر كان يعمل وفق أهداف واضحة وخطط طويلة المدى .
السؤال الذي طرحه إدّه كان بسيطاً ومباشراً : إذا حصلت مواجهة ، كيف سنواجه؟ وبأي إمكانيات؟ هذا السؤال لم يجد جواباً عملياً ، وهذه نقطة ضعف كبيرة . الدولة لا تُقاس بما تعرفه فقط ، بل بما تفعله بناءً على ما تعرفه .
ما حصل لاحقاً أثبت أن التحذيرات لم تكن مبالغاً فيها . الجنوب دفع الثمن ، ولبنان دخل في مراحل معقدة كان يمكن تخفيف كلفتها لو وُجد تحضير مسبق وقرار واضح . ومع الوقت ، لم تعد المشكلة فقط في الخطر الخارجي ، بل في تراكم عوامل داخلية أضعفت الدولة : دور منظمة التحرير الفلسطينية ، والوجود العسكري السوري ، والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وصولاً إلى تحول حزب الله تدريجياً إلى قوة موازية قيّدت قرار الدولة ، إضافة إلى الانقسام الطائفي الذي صعّب اتخاذ أي قرار وطني .
اليوم ، الدرس واضح : لبنان لم يكن ينقصه من يحذّر ، بل من يقرر ويتحمّل المسؤولية . عندما يكون الخطر معروفاً ولا يُتعامل معه ، يتحول إلى أزمة مفتوحة . الدولة التي تمتلك عناصر قوة ولا تستخدمها في الوقت المناسب ، تخسر هذه القوة وتدفع الثمن لاحقاً .


