للأمم والأوطان مقومات لا تستقيم من دونها دولة، ولا يتحقق ازدهار أو استقرار أو قدرة على مواجهة الأخطار. ولعل أهمها وجود عصبية وطنية جامعة، بالمعنى الإيجابي للكلمة: شعور راسخ لدى أبناء الوطن، مهما تعددت طوائفهم ومذاهبهم وتفاوتت أوضاعهم، بأنهم ينتمون أولاً إلى وطن واحد، وأن مصلحته تعلو على كل مصلحة أخرى.
فالوطن لا يصنعه العلم والنشيد والحدود وحدها، بل تصنعه قناعة أبنائه بأن أرضه وسيادته وكرامته ملك لهم جميعاً، وأن ما يصيب جزءاً منه يصيبهم جميعاً.
وفي الدولة السليمة يكون ما لله لله وما لقيصر لقيصر؛ يمارس الإنسان إيمانه بحرية، من دون أن تتحول الطائفة إلى وطن داخل الوطن، أو أن يصبح الانتماء الديني بديلاً من الانتماء الوطني.
وهنا يطرح لبنان سؤاله الأصعب: هل نجحنا، بعد أكثر من قرن على قيام لبنان الكبير، في بناء هذه العصبية؟
لم يولد لبنان الحديث من حرب استقلال طويلة صهرت أبناءه في تجربة وطنية واحدة، بل نشأ نتيجة تفاعل عوامل داخلية مع ترتيبات إقليمية ودولية أعقبت سقوط السلطنة العثمانية وتقاسم النفوذ في المنطقة.
منذ البداية، حملت الجماعات اللبنانية رؤى مختلفة لهوية الكيان الجديد وموقعه: فمنها من نظر غرباً، ومنها من تمسك بانتمائه العربي، ومنها من خشي محيطه، ومنها من اعتبر نفسه جزءاً منه.
وجاء الميثاق الوطني عام 1943 محاولة للتوفيق بين هذه الهواجس، فساعد في بناء دولة مستقلة، لكنه لم ينجح في بناء هوية وطنية تتقدم دائماً على الهويات الطائفية. وبقي اللبناني، في محطات كثيرة، يسأل عن مصلحة طائفته قبل أن يسأل عن مصلحة وطنه.
ثم جاءت نكبة فلسطين عام 1948 وقيام إسرائيل، فوجد لبنان نفسه، بحكم موقعه وتركيبته، في قلب تداعيات صراع لم يتوقف منذ ذلك الحين.
والمفارقة الأخطر أن اللبنانيين لم يتفقوا دائماً حتى على تعريف الخطر.
ولعل أحد أخطر نتائج ضعف العصبية الوطنية أن بعض اللبنانيين استسهلوا، في مراحل مختلفة، النظر إلى إسرائيل وكأنها مجرد دولة مجاورة نختلف معها على حدود أو ترتيبات أمنية، فيما التجربة اللبنانية نفسها تقول غير ذلك.
فلبنان عرف الاجتياح والاحتلال والاعتداءات المتكررة، ودفع من أرضه وشعبه واقتصاده أثماناً باهظة. ولذلك فإن إدراك الخطر الذي يمثله المشروع الإسرائيلي على لبنان لا ينبغي أن يكون موقفاً طائفياً أو حزبياً، ولا ملكاً لفئة دون أخرى، بل جزءاً من وعي وطني جامع.
ومواجهة خطر بهذا الحجم لا يمكن أن تبقى مسؤولية طائفة أو حزب أو مقاومة بعينها، بل يجب أن تصبح مسؤولية وطن وشعب ودولة.
وهنا تحديداً تظهر الحاجة الملحّة إلى العصبية الوطنية: لا عصبية تدعو إلى الحرب وتجعل منها غاية، بل مناعة وطنية تمنع العدو من الدخول عبر انقساماتنا، وتجعل اللبنانيين، مهما اختلفوا في الوسائل، متفقين على حماية أرضهم وسيادتهم وحقوقهم.
فالسلام يحتاج إلى وطن موحد يعرف حقوقه، كما تحتاج المقاومة إلى وطن موحد يعرف ماذا يقاوم ولماذا. وما الجدل القائم اليوم حول المفاوضات مع إسرائيل إلا صورة جديدة لهذه الأزمة القديمة.
فمن اللبنانيين من يرى في التفاوض وسيلة لتجنيب البلاد مزيداً من الحرب واستعادة الأرض والسيادة، ومنهم من يرى أن التفاوض المباشر تحت النار وفي ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات يضعف الموقف اللبناني ويمنح إسرائيل بالسياسة ما لم تستطع انتزاعه بالقوة.
ومن حق اللبنانيين أن يختلفوا في الوسائل. فليس كل من يؤيد التفاوض خائناً، وليس كل من يرفضه داعية حرب.
لكن ما لا يجوز الاختلاف عليه هو المعيار الوطني: هل تحفظ الوسيلة سيادة لبنان؟ هل تستعيد أرضه؟ هل تحمي شعبه؟ وهل يتخذ لبنان قراره انطلاقاً من مصلحته، لا من مصالح الآخرين؟
كيف تستطيع دولة أن تبني استراتيجية للدفاع عن نفسها إذا اختلف شعبها على مفهوم السيادة، وعلى من يهددها، وعلى معنى المقاومة والتطبيع والخيانة؟
وهنا يتبين أن أزمة لبنان أعمق من مفاوضات تنجح أو تفشل، ومن حكومة تأتي وأخرى ترحل. إنها أزمة هوية وطنية لم يكتمل بناؤها بعد.
العصبية التي يحتاجها لبنان لا تُبنى بإلغاء الطوائف أو بمحاربة الدين. فالتنوع اللبناني يمكن أن يكون مصدر غنى، شرط ألا يتحول إلى مجموعة ولاءات متناحرة. نبنيها عندما نربي أبناءنا على أن الطائفة جزء من هوية الإنسان، أما الوطن فهو البيت الذي يحمي الجميع؛ وعندما يصبح الولاء للدولة مقدماً على الولاء لأي دولة أو جهة خارجية؛ وعندما تصبح السيادة مفهوماً واحداً لا يتغير بحسب هوية المعتدي أو الحليف.
ونبنيها بدولة عادلة لا يحتاج فيها المواطن إلى طائفته ليحصل على حقه، وبقانون يساوي بين الجميع، وبتاريخ وطني واحد لا يكون لكل طائفة فيه أبطالها وشهداؤها وأعداؤها فيما يغيب لبنان.
فمشكلة لبنان ليست فقط في قوة أعدائه أو ضعف دولته أو كثرة التدخلات الخارجية. مشكلته الأعمق أنه، بعد أكثر من مئة عام على تأسيسه، لم ينجح بعد في بناء عصبية وطنية تجعل اللبناني، أياً تكن طائفته، يسأل أمام كل استحقاق: ماذا يريد لبنان؟ قبل أن يسأل: ماذا تريد طائفتي أو حزبي أو حليفي الخارجي؟
يوم نصل إلى ذلك، لن تزول خلافاتنا، ولن نصبح أصحاب رأي واحد، ولا ينبغي لنا ذلك. لكن خلافاتنا ستصبح خلافات داخل وطن واحد، لا خلافاً على الوطن نفسه.
فالأوطان لا يحميها اتفاق أبنائها على اسمها وحده، بل اتفاقهم على معناها.
ولا تصبح الحدود حدوداً حقيقية ما لم تقم خلفها إرادة وطنية واحدة تعرف أين تبدأ مصلحة لبنان، وأين تنتهي مصالح الآخرين


