حين يصبح الخلاف أقوى من الوطن : من سيكسب لبنان إذا خسر اللبنانيون بعضهم؟
الصورة التي أمامنا ليست مجرد مشهد لأشجارٍ سقطت وأخشابٍ تراكمت في انتظار أن تتحول إلى حطب أو أثاث أو رماد. إنها، في عمقها، صورة رمزية لنا جميعًا.

فالشجرة التي احتاجت عشرات السنين كي تكبر، يمكن أن تسقط في دقائق. وكذلك الإنسان، يحتاج سنوات طويلة كي يبني حياته، ثم قد يضيّعها في لحظة غضب، أو تعصّب، أو خصومة، أو نزاع لا يورثه إلا مزيدًا من الانقسام.
ولعلّ العبارة الأقسى في الصورة: «جرح الآخر أمر سهل، ومداراته أمر صعب».
لكن لبنان اليوم يحتاج إلى أن يسأل نفسه سؤالًا أكثر وجعًا: هل أصبح جرح الآخر أسهل علينا من مداواته؟ وهل أصبح الاختلاف سببًا للعداء بدل أن يكون مصدرًا لغنى الوطن؟
لبنان ليس مجرد مساحة جغرافية محاصرة بين البحر والجبال. إنه وطن تراكمت فوق أرضه طبقات التاريخ والحضارات والثقافات، وتجاوزت جذوره آلاف السنين. مرّت عليه إمبراطوريات وشعوب وحروب، وسقطت دول وقامت دول، وتبدّلت خرائط، وتغيّرت أسماء، وبقي الإنسان على هذه الأرض يبحث عن طريقة ليعيش.
واليوم، بعد كل هذا التاريخ، نقف نحن أمام امتحان غريب: هل سنكون نحن أيضًا عابرين من تاريخ لبنان، أم سنكون الجيل الذي استطاع أن يحفظه ويضيف إليه؟
مشكلة لبنان ليست في تعدد طوائفه، بل في عجزه عن تحويل التعدد إلى قوة
ليس تعدد الطوائف في ذاته مشكلة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الطائفة من مساحة انتماء روحي وثقافي واجتماعي إلى خندق سياسي ونفسي، وعندما يصبح أبناء الطائفة الواحدة أسرى لخطابات التخويف والتعبئة، فيُطلب منهم أن يتوحدوا ضد «الآخر» بدل أن يتوحدوا من أجل وطنهم.
والأكثر إيلامًا أن الانقسام لا يقع فقط بين الطوائف، بل أحيانًا داخل الطائفة الواحدة نفسها.
يتخاصم أبناء البيت الواحد، وتتنازع القيادات، وتتنافس الزعامات، ويتبادل الناس الاتهامات، ثم تُستحضر الطائفة عند الحاجة كجدار دفاع، بينما يبقى المواطن العادي يدفع ثمن الخلاف من عمره، ورزقه، ومستقبل أولاده.
وهنا علينا أن نتوقف قليلًا.
ما الذي نربحه عندما ننتصر على أخينا؟
ماذا نربح عندما نخسر صديقًا لأن موقفه السياسي مختلف؟
ماذا نربح عندما نقطع علاقة عائلية بسبب اصطفاف انتخابي؟
ماذا نربح عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية؟
وماذا يبقى من معنى الوطن إذا أصبح اللبناني يخاف من اللبناني أكثر مما يخاف على لبنان؟
فلنتصالح أولًا داخل بيوتنا
قبل أن ندعو إلى مصالحة وطنية كبرى، علينا أن نبدأ من المسافة الأقرب.
أن تتصالح الطائفة مع نفسها.
أن يتصالح أبناؤها فيما بينهم.
أن تتعلم القوى السياسية داخل كل مكوّن أن الاختلاف لا يعني التخوين، وأن المنافسة لا تستوجب الإلغاء، وأن الزعامة ليست ملكية أبدية للناس.
ثم ننتقل إلى المسافة الأوسع:
أن تتصالح الطوائف اللبنانية مع بعضها.
ليس المطلوب أن نتشابه.
وليس المطلوب أن يتخلى أحد عن إيمانه أو خصوصيته أو ذاكرته أو ثقافته.
بل المطلوب أن نفهم أن لبنان لا يحتاج إلى أن يصبح لونًا واحدًا كي يبقى، بل يحتاج إلى أن تتعلم ألوانه كيف تصنع لوحة واحدة.
المسيحي ليس ضيفًا على وطنه.
والمسلم ليس ضيفًا على وطنه.
ولا أي طائفة من طوائف لبنان ضيفة على الأخرى.
كلنا أبناء هذه الأرض، وكلنا ورثة هذا التاريخ، وكلنا شركاء في الحاضر، شئنا أم أبينا، وكلنا مسؤولون عن المستقبل.
لبنان لا يحتاج إلى غالب ومغلوب
ربما آن الأوان لأن نتجاوز منطق «من انتصر؟» إلى سؤال أكثر نضجًا:
كيف ننتصر جميعًا؟
فلبنان ليس مباراة بين طوائف، وليس حلبة يتوّج فيها فريق ويُهزم فريق.
إذا انتصرت طائفة على أخرى، خسر لبنان.
وإذا انتصر حزب على وطنه، خسر الوطن.
وإذا انتصر التعصب على العقل، خسر الجميع.
والأخطر من ذلك أن الزمن لا ينتظر أحدًا.
نحن نتصارع، والأعمار تمضي.
نختلف، والأولاد يكبرون.
نتبادل الاتهامات، والسنوات تتسرب من بين أيدينا.
نخوض معارك الماضي، بينما العالم يركض نحو المستقبل.
دول تبني جامعاتها، وتطوّر اقتصادها، وتستثمر في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتخطط لأجيالها المقبلة، ونحن ما زلنا نستهلك طاقاتنا في معارك الانتماءات والحصص والمواقع والاصطفافات.
فماذا سنحصد بعد عشرين عامًا؟
مزيدًا من صور السياسيين؟
مزيدًا من الخطابات؟
مزيدًا من الانقسامات؟
أم وطنًا كان يمكن أن يكون أفضل بكثير لو قرر أبناؤه أن يتنازلوا قليلًا من أجل أن يربح الجميع؟
القبور لا تعرف الطوائف
وهنا تكمن الحقيقة التي نتهرب منها جميعًا.
في النهاية، لا أحد ينتصر على الزمن.
سيأتي يوم تنتهي فيه الخصومة، وتنطفئ الأصوات، وتسقط الأسماء من الذاكرة، ويتوقف الهاتف عن الرنين، ويصبح كل ما جمعناه من مواقع ومكاسب وصراعات جزءًا من الماضي.
سيأتي يوم نغادر فيه جميعًا.
وعندها لن تسأل القبور:
من كان مارونيًا؟
من كان أرثوذكسيًا؟
من كان كاثوليكيًا؟
من كان سنيًا؟
من كان شيعيًا؟
من كان درزيًا؟
القبور لا تعرف الطوائف.
والتراب لا يفرّق بين غني وفقير، ولا بين زعيم ومواطن، ولا بين من امتلك القرار ومن عاش عمره يبحث عن فرصة.
في النهاية، يحيا التراب… وتمضي الحياة.
لكن السؤال الذي سيبقى معلقًا فوقنا هو:
ماذا فعل الإنسان بالسنوات التي أُعطيت له قبل أن يصبح ترابًا؟
هل بنى؟
هل أحب؟
هل جمع؟
هل أصلح؟
هل سامح؟
هل ترك وراءه أثرًا يستحق أن يُذكر؟
أم أمضى عمره في معركة مع أخيه، ثم اكتشف متأخرًا أن المعركة لم تكن تستحق كل ذلك العمر؟
فلنتعلم فضيلة التنازل
التنازل ليس ضعفًا.
والاعتذار ليس هزيمة.
والحوار ليس استسلامًا.
والتقارب ليس خيانة للمبادئ.
أحيانًا يكون أعظم انتصار للإنسان أن يتنازل عن جزء من حقه كي لا يخسر الوطن كله.
نحتاج إلى قيادات تعرف أن التاريخ لا يخلّد فقط من انتصر، بل يخلّد أيضًا من أنقذ وطنًا من الانهيار.
ونحتاج إلى مواطنين يرفضون أن يكونوا وقودًا لمعارك لا تنتهي.
ونحتاج إلى خطاب جديد، لا يبني مجده على تخويف اللبناني من اللبناني، بل على طمأنته بأن اختلافه ليس خطرًا على وجوده.
نحتاج إلى أن نعلّم أبناءنا أن لبنان ليس «نحن» و«هم».
لبنان هو نحن جميعًا.
وأن الوطن الذي لا يتسع لاختلاف أبنائه، يتحول تدريجيًا إلى وطن يتسع لقبورهم أكثر مما يتسع لأحلامهم.
الصيغة اللبنانية ليست عبئًا… بل رسالة
لقد كان لبنان، بكل تناقضاته، تجربة إنسانية استثنائية في العيش المشترك.
قد تكون التجربة تعثرت، وقد تكون أخطأت، وقد تكون دفعت أثمانًا باهظة، لكن قيمتها لا تسقط بسبب عجزنا عن إدارتها.
بل ربما تكون مهمتنا التاريخية اليوم هي إعادة اكتشاف معنى لبنان.
لبنان الذي لا يُطلب فيه من المسيحي أن يصبح أقل مسيحية كي يعيش مع المسلم، ولا من المسلم أن يتخلى عن هويته كي يعيش مع المسيحي، بل يتعلم الجميع أن الهوية يمكن أن تكون جسرًا لا جدارًا.
لبنان الذي يكون فيه التنوع مصدر ثراء، لا مصدر خوف.
لبنان الذي نختلف فيه في السياسة، لكن لا نختلف على الوطن.
لبنان الذي نتنافس فيه على الإنجاز، لا على الكراهية.
لبنان الذي نختلف فيه على كيفية بناء المستقبل، لا على حق الآخر في أن يكون موجودًا.
وهنا تكمن قيمة الصيغة اللبنانية الفريدة: ليست في أنها صيغة كاملة، بل في أنها محاولة مستمرة لإثبات أن الاختلاف يمكن أن يعيش تحت سقف واحد، وأن الإنسان يستطيع أن يحافظ على خصوصيته من دون أن يلغي الآخر.
فلنستفيق قبل أن يصبح الوقت هو الخصم
أيها اللبنانيون…
لقد أضعنا الكثير.
أضعنا فرصًا، وأحلامًا، وطاقات، وأعوامًا.
لكن أخطر ما يمكن أن نضيعه الآن هو ما تبقى من قدرتنا على الحلم معًا.
فلنمدّ أيدينا إلى بعضنا.
فلنتصالح داخل طوائفنا قبل أن نطالب الآخرين بالمصالحة.
ولنتصالح بين طوائفنا قبل أن يصبح الوطن مجرد ذكرى.
ولنتعلم أن بعض المعارك لا تستحق أن نخسر من أجلها إنسانًا، وأن بعض المواقف لا تستحق أن نهدم من أجلها وطنًا.
تنازلوا قليلًا… كي لا يتنازل لبنان عنكم جميعًا.
اقتربوا من بعضكم، فالمسافات التي نصنعها اليوم قد تصبح غدًا هوّة لا يمكن ردمها.
سامحوا، تحاوروا، اختلفوا بكرامة، وتنافسوا بشرف، ولكن لا تجعلوا الاختلاف قدرًا أبديًا، ولا تجعلوا الوطن ضحيةً لغرور أبنائه.
فالعمر أقصر من أن نقضيه في الخصام،
والتاريخ أطول من أن نختصره في نزاعاتنا،
والإنسان أثمن من أن يتحول إلى رقم في معركة سياسية،
والوطن أكبر من أي زعيم، وأبقى من أي حزب، وأقدس من أي مكسب.
سيبقى لبنان بعدنا… إن أحسنّا أن نتركه لأبنائنا.
أما نحن، فسوف نمضي.
وستهدأ أصواتنا، وتُطوى صفحاتنا، ويأخذ التراب أجسادنا.
وعندها، لن يبقى من كل هذا الصراع إلا سؤال واحد، موجع كالحقيقة:
حين كان في أيدينا أن نحفظ لبنان، لماذا اخترنا أن نحارب بعضنا؟
وحين كان في أعمارنا متّسع للحب والبناء، لماذا أنفقناها في الخصام؟
فلنستفيق قبل فوات الأوان من غيبوبتنا القاتلة.
فلنستعيد أنفاس البقاء.
ولنجعل من لبنان لا وطنًا نعيش فيه فقط، بل وطنًا يستحق أن يعيش بنا.
فلبنان لا يحتاج إلى أن ينتصر فيه أحد على أحد…
لبنان يحتاج فقط إلى أن ينتصر اللبنانيون على انقساماتهم،
كي تبقى الأرض، ويبقى الإنسان، وتبقى الرسالة.


