سعادة الحاكم،
لا نريد منك وعوداً ولا مواقف إعلامية، بل نريد منك أن تقوم بالمهمة التي أقسمت اليمين من أجلها، والتي يفرضها عليك القانون.
إن موقع حاكم مصرف لبنان ليس منصباً تشريفياً، ولا وظيفة للحصول على راتب وامتيازات، بل هو مسؤولية وطنية وقانونية كبرى. فقانون النقد والتسليف يضع في صلب مهمة مصرف لبنان المحافظة على سلامة النظام المصرفي والاستقرار النقدي والمالي، وحماية ما يتصل بهذه المنظومة من حقوق ومصالح.
وأموال المودعين ليست أرقاماً في دفاتر المصارف، وليست أموالاً سائبة يمكن تحميل أصحابها وحدهم ثمن الانهيار. إنها أموال اللبنانيين، ثمرة أعمارهم وتعبهم ومدخراتهم، وهي حقوق لا تسقط بالتقادم ولا بالتعاميم ولا بتغيير الحكومات والحكام.
لذلك، فإن مهمتك اليوم واضحة:
استعمال كل صلاحياتك القانونية لاستعادة أموال وحقوق مصرف لبنان، وملاحقة الأموال التي خرجت أو حُوّلت بصورة غير مشروعة، وحماية موجودات المصرف المركزي، وممارسة رقابتك على المصارف، والعمل بكل الوسائل القانونية الممكنة للمساهمة في إعادة أموال المودعين وبناء نظام مصرفي سليم يعيد الثقة.
وإذا كانت هناك أموال أو حقوق لمصرف لبنان يمكن استعادتها، فاستعادتها ليست منّة على المودعين، بل جزء من المسؤولية التي تقع على عاتق المؤسسة التي تترأسها. وقد أعلنتم أن مصرف لبنان يسعى إلى استرداد أموال عامة وحقوق يمكن أن تساهم في تأمين السيولة اللازمة لمعالجة حقوق المودعين.
أما إذا كانت صلاحياتك، كما تقول، لا تسمح لك بالقيام بما يلزم، فقلها للبنانيين بصراحة: هذه حدود صلاحياتي، وهذه هي الجهات التي تمنعني من تنفيذ واجبي.
أما أن يبقى المودع أسيراً، والمصارف عاجزة أو ممتنعة، والدولة تتقاذف المسؤوليات، فيما تستمر الرواتب والامتيازات، فهذا أمر لم يعد مقبولاً.
راتبك ليس بدل حضور إلى مكتب حاكم مصرف لبنان، بل هو مقابل قيامك بالمهام التي حمّلك إياها القانون.
فإما أن تستخدم موقعك وصلاحياتك للدفاع عن أموال اللبنانيين وأموال هذا الوطن، وأن تضع استعادة حقوق المودعين في مقدمة أولوياتك، وإما أن تكون صريحاً مع اللبنانيين وتقول إنك غير قادر على القيام بهذه المهمة، وعندها يكون الانسحاب من المسؤولية أشرف من البقاء فيها من دون القدرة أو الإرادة على حماية حقوق الناس.
نحن لا نطلب منك المستحيل.
نطلب منك أن تقوم بواجبك.
فالمال العام مال اللبنانيين، والوديعة حق لصاحبها، ومن يتولى حراسة النظام النقدي والمصرفي في هذا البلد عليه أن يكون أول المدافعين عن هذه الحقوق، لا مجرد شاهد على ضياعها.
المطلوب اليوم ليس حاكماً يدير الأزمة، بل حاكماً يقود عملية استعادة الحقوق.
والتاريخ لن يسأل كم كان راتب الحاكم، بل سيسأل:
ماذا فعل لحماية أموال اللبنانيين عندما ضاعت؟


