جوزيف نخلة

قد تبدو مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان بعيدة كل البعد عن مضيق هرمز وباب المندب. واحدة تلة تشرف على النبطية، والاثنان ممران بحريان يفصل بينهما آلاف الكيلومترات.
لكن الحروب الحديثة لا تقاس بالمسافات.
حين تتشابك الجبهات، تصبح الجغرافيا السياسية أهم من الجغرافيا الطبيعية. وقد تتحول تلة في الجنوب إلى جزء من منظومة ضغط تمتد من الحدود اللبنانية إلى البحر الأحمر والخليج، خصوصًا عندما تكون الأطراف نفسها حاضرة في أكثر من ساحة.
هنا يصبح السؤال أخطر من: من يسيطر على علي الطاهر؟
السؤال هو: إلى أين يمكن أن تقود السيطرة عليها إذا انطلقت منها سلسلة تصعيد لا يستطيع أحد ضبط نهايتها؟
ثلاثة مواقع… وساحة واحدة
علي الطاهر تمثل عقدة برية في الجنوب اللبناني.
باب المندب يمثل نقطة اختناق للتجارة العالمية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وهرمز يمثل إحدى أهم بوابات الطاقة في العالم.
أما ديمونا والمنطقة المحيطة بها، فتختلف عن المواقع الثلاثة لأنها تحمل حساسية استراتيجية وأمنية تجعل استهدافها، أو حتى الاقتراب من دائرة تهديدها، قادرًا على تغيير طبيعة الحسابات الإسرائيلية والأميركية.
لهذا يمكن أن تبدأ الأزمة في الجنوب، لكن تأثيرها لا يبقى في الجنوب.
قد تبدأ باشتباك حول علي الطاهر، ثم تتوسع الضربات، ثم تنتقل الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي، ثم ترتفع احتمالات استهداف مواقع استراتيجية، فتدخل إسرائيل في حسابات مختلفة تمامًا، وتتحرك إيران، وتتسع جبهة البحر الأحمر، وترتفع المخاطر حول هرمز.
عندها لا يعود لبنان أمام حرب مع إسرائيل.
يصبح أمام حرب إقليمية متعددة الجبهات، ولبنان إحدى ساحاتها الرئيسية.
اللحظة الأخطر: عندما تصبح ديمونا على الطاولة
لا أحد يستطيع الجزم بأن مسار الحرب سيصل إلى ديمونا، ولا أن استهدافها قرار محسوم لدى أي طرف.
لكن الخطر يكمن في احتمال انتقال المعركة من استهداف المواقع العسكرية إلى استهداف العمق الاستراتيجي الإسرائيلي.
فإذا وصلت المواجهة إلى منشأة شديدة الحساسية كهذه، أو إلى محيطها، فقد ترى إسرائيل أن قواعد اللعبة تغيرت.
وهنا قد لا يكون الرد الإسرائيلي متناسبًا مع الضربة التي تلقّتها، بل مع الرسالة التي اعتبرت أنها وُجّهت إليها.
وهذه نقطة مفصلية.
لأن ضرب موقع عسكري يمكن أن يُقرأ كجزء من حرب تقليدية.
أما تهديد منشأة استراتيجية ذات طبيعة حساسة، فقد يُقرأ باعتباره تهديدًا للأمن القومي الإسرائيلي في مستواه الأعلى.
وعندها قد تتوسع قائمة الأهداف، وتتدخل الولايات المتحدة بصورة أعمق، وتجد إيران نفسها أمام اختبار لصدقيتها في حماية حلفائها ومحورها.
وهنا تبدأ أخطر معادلة:
ضربة من لبنان، رد من إسرائيل، تدخل أميركي، تصعيد إيراني، اضطراب في البحر الأحمر، وتصعيد في هرمز.
وفي لحظة واحدة، تصبح الجبهات التي كانت تبدو منفصلة جبهة واحدة.
هرمز وباب المندب: حين تصبح الممرات البحرية أسلحة
هرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرين مائيين.
إنهما من أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي.
أي اضطراب في هرمز ينعكس على الطاقة وأسعار النفط وحركة التجارة، فيما يؤدي اضطراب باب المندب إلى تغيير مسارات السفن ورفع كلفة النقل والتأمين، ويؤثر في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
وهذا ما يجعل هذين الممرين جزءًا من الحساب العسكري حتى عندما تكون المعركة البرية في مكان آخر.
إذا اشتعل الجنوب اللبناني بصورة واسعة، يمكن أن تصبح جبهات أخرى أدوات ضغط مقابلة.
وقد لا تحتاج إيران إلى إعلان حرب شاملة كي تستخدم هرمز.
يكفي رفع مستوى المخاطر.
وقد لا يحتاج الحوثيون إلى إغلاق باب المندب بالكامل كي يؤثروا في التجارة.
يكفي أن تصبح الملاحة أكثر خطورة وكلفة.
وهكذا يمكن لحرب تبدأ في نقطة صغيرة أن تنتقل اقتصاديًا إلى العالم كله.
لكن المشكلة أن لبنان سيكون أول من يدفع الثمن، وليس أول من يقرر.
وهنا تبدأ المأساة اللبنانية
المقاومة تستطيع أن تمتلك القدرة على الرد.
لكن امتلاك القدرة على الرد لا يعني امتلاك القدرة على التحكم بمسار الحرب.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تُناقش بصدق، بعيدًا عن التخوين والتقديس.
إذا دخلت المقاومة مواجهة واسعة، ثم تطورت الحرب إلى استهداف العمق الإسرائيلي ومواقع استراتيجية، ثم دخلت الولايات المتحدة وإيران، فهل يستطيع لبنان أن يتحمل النتيجة؟
من يعوض أصحاب المؤسسات؟
من يحمي المستشفيات؟
من يؤمن الغذاء والوقود والدواء؟
من يحمي المرافق الحيوية؟
من يستوعب النزوح؟
ومن يعيد إعمار ما تدمر؟
الأهم:
من يقرر متى تنتهي الحرب؟
قد تستطيع المقاومة أن تقرر متى تطلق النار.
لكن هل تستطيع أن تقرر متى تتوقف إسرائيل؟
وهل تستطيع الدولة اللبنانية أن تقرر متى تتوقف الولايات المتحدة؟
وهل تستطيع إيران أن تضمن أن كل مسار التصعيد سيبقى ضمن الحدود التي تريدها؟
هنا تحديدًا تكمن خطورة المغامرة.
لبنان ليس دولة عظمى
إيران تستطيع تحمل حرب طويلة لأنها دولة ذات مساحة وموارد وعمق استراتيجي.
إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا ودعمًا أميركيًا هائلًا.
والولايات المتحدة تستطيع إدارة حرب من خارج حدودها.
لكن لبنان ليس أيًا من هؤلاء.
لبنان اقتصاد منهك، ومؤسسات ضعيفة، وبنية تحتية هشة، ومجتمع أنهكته الحروب والانقسامات والنزوح والهجرة.
ولهذا فإن السؤال عن الحرب يجب ألا يبدأ من القدرة على إيلام الخصم.
بل من قدرة الوطن على النجاة.
قد يكون من الممكن عسكريًا ضرب هدف في العمق الإسرائيلي.
لكن هل يستطيع لبنان تحمل تداعيات ذلك إذا قررت إسرائيل أن تدفع الحرب إلى مستوى شامل؟
هذه هي المسافة التي يغفلها كثيرون بين القدرة العسكرية والمصلحة الوطنية.
والدولة اللبنانية ليست خارج المأزق
لكن المسؤولية لا تقع على المقاومة وحدها.
الدولة اللبنانية أمام مأزق موازٍ.
فإذا كانت المقاومة تراهن على السلاح والردع، فعلى ماذا تراهن الدولة؟
على التفاوض؟
على الوساطة الأميركية؟
على المجتمع الدولي؟
على القرارات الدولية؟
المشكلة أن التفاوض من دون أوراق قوة حقيقية يجعل الدولة في موقع المتلقي أكثر مما يجعلها في موقع الشريك.
وهنا يصبح لبنان محاصرًا بين معادلتين ناقصتين:
قوة عسكرية لا تتحول بالكامل إلى قرار وطني، وشرعية سياسية لا تستند إلى قوة وطنية كافية.
وبينهما يبقى المواطن.
وهذا المواطن هو الذي يدفع الثمن في كل مرة.
من يملك أوراق لبنان ؟
ربما هذه هي المسألة الأهم.
إيران تملك أوراقًا.
إسرائيل تملك أوراقًا.
أميركا تملك أوراقًا.
اليمن يملك ورقة باب المندب.
وحتى هرمز يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط عالمية.
أما لبنان، فما هي أوراقه؟
جيشه يحتاج إلى دعم.
اقتصاده يحتاج إلى إنقاذ.
بنيته التحتية تحتاج إلى إعادة بناء.
مجتمعه منقسم حول مفهوم الحرب والسلم.
وسلطته السياسية تدخل أحيانًا إلى التفاوض بأوراق محدودة، بينما تدخل قوى أخرى إلى الميدان بأوراق عسكرية خارج إطار القرار الوطني الجامع.
فكيف يستطيع بلد بهذه الحالة أن يكون لاعبًا على طاولة صراع إقليمي؟
المشكلة ليست أن لبنان على الطاولة. المشكلة أنه على الطاولة من دون أوراق كافية.
وهذه ربما أكثر صورة اختصارًا للمأساة اللبنانية.
السؤال الذي يجب أن يسبق الصاروخ
لا يجوز أن يكون النقاش:
هل نستطيع ضرب ديمونا؟
السؤال يجب أن يكون:
ماذا سيحدث للبنان إذا ضربناها؟
وإذا تحولت علي الطاهر إلى معركة استنزاف، ماذا بعد؟
وإذا اتسعت الحرب إلى العمق الإسرائيلي، ماذا بعد؟
وإذا اشتعل باب المندب، ماذا بعد؟
وإذا تصاعدت المواجهة حول هرمز، ماذا بعد؟
وإذا دخلت الولايات المتحدة الحرب مباشرة، ماذا بعد؟
وإذا قررت إسرائيل أن الرد يجب أن يكون شاملًا، ماذا بعد؟
وإذا انهارت البنية التحتية اللبنانية، ماذا بعد؟
هل لدينا «اليوم التالي»؟
هذه ليست أسئلة ضعف.
إنها أسئلة دولة.
فالقدرة على بدء الحرب ليست وحدها معيار القوة.
القوة الحقيقية هي أن تعرف كيف تمنع الحرب عندما لا تستطيع تحملها، وكيف تخوضها عندما تصبح ضرورية، وكيف تنهيها عندما تحقق أهدافها، وكيف تحمي شعبك من نتائجها.
لبنان لا يحتاج إلى منتصر جديد… بل إلى قرار وطني
ليس المطلوب أن يتخلى لبنان عن حقه في الدفاع عن أرضه.
وليس المطلوب أن يستسلم أمام إسرائيل.
وليس المطلوب أن يراهن على واشنطن وكأنها جمعية خيرية لحماية لبنان.
لكن المطلوب أن تتوقف القوى اللبنانية عن التعامل مع البلد باعتباره ساحة متاحة لحسابات الآخرين.
إذا كانت المقاومة قوة، فلتكن قوة لبنان.
وإذا كانت الدولة تملك الشرعية، فلتكن شرعيتها مسنودة بقوة حقيقية.
وإذا كان التفاوض هو الطريق، فليكن تفاوضًا يستند إلى أوراق لبنانية لا إلى حسن نوايا الخارج.
أما أن يبقى لبنان موزعًا بين من يراهن على المقاومة العسكرية ومن يراهن على الصديق الأميركي، فيما لا يملك هو نفسه استراتيجية وطنية متكاملة، فذلك يعني أن الآخرين يقررون حجم اللعبة، بينما نحن نختلف على طريقة الجلوس حول الطاولة.
الصرخة الأخيرة
قد تبدأ القصة من علي الطاهر.
وقد تمتد إلى العمق الإسرائيلي.
وقد تصبح ديمونا في دائرة التهديد.
وقد ترد إسرائيل.
وقد تتحرك إيران.
وقد يتوتر باب المندب.
وقد يدخل هرمز في الحساب.
وقد ترتفع أسعار النفط.
وقد تتدخل أميركا.
وقد يصبح العالم كله جزءًا من أزمة بدأت فوق تلة في جنوب لبنان.
أما لبنان،
فنحن لا نريد لبنان الذي يُطلب منه أن يموت كي يثبت قوة محور.
ولا نريد لبنان الذي يُطلب منه أن يستسلم كي يثبت نجاح التفاوض.
ولا نريد لبنان الذي يصبح فيه الجنوب ورقة تفاوض، والمقاومة ورقة ردع، والدولة ورقة شرعية، والمواطن اللبناني مجرد صاحب فاتورة.
وهذه ليست إهانة للبنان.
هذه هي المأساة.
أن يكون لدينا موقع جغرافي مهم، لكن لا نملك قدرة استراتيجية تناسب أهميته.
أن نكون في قلب الصراع، لكن خارج غرفة القرار.
أن تكون أرضنا ورقة، بينما لا نملك نحن أوراقًا كافية على الطاولة.
أن يستطيع الآخرون استخدام لبنان للضغط على إسرائيل، واستخدام إسرائيل للضغط على إيران، واستخدام إيران للضغط على أميركا، واستخدام أميركا للبنان في المفاوضات…
وهنا يجب أن نرفع السؤال من مكان الألم لا من مكان التخوين:
هل نريد أن نكون طرفًا في حرب الآخرين، أم نريد أن نكون أصحاب قرار في وطننا؟
هل نريد مقاومة تحمي لبنان، أم ساحة يُستخدم فيها لبنان؟
هل نريد دولة تتفاوض من موقع ضعف، أم دولة تمتلك من عناصر القوة ما يجعل الآخرين يحسبون حسابها؟
وهل نريد أن ننتصر في معركة ونخسر البلد؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تسقط علي الطاهر.
ولا أن تُستهدف ديمونا.
ولا أن يضطرب هرمز أو باب المندب.
الأخطر هو أن تشتعل كل هذه الجبهات، ثم نكتشف أن لبنان كان حاضرًا في الحرب وغائبًا عن القرار.
عندها لن يكون السؤال: من ربح؟
بل:
هل بقي لنا وطن أصلًا لكي يحتفل أحد ببقائه؟
وهذا هو الوجع اللبناني الحقيقي.
أن نكون في قلب لعبة إقليمية كبرى…
لكن من دون أوراق كافية للكسب، ولا حتى أوراق كافية لمنع الآخرين من اللعب فوق أرضنا.
فنصبح ببساطة المكان الذي تُدفع فيه الفاتورة.
جوزيف مخايل نخله


