العميد الركن مروان زاكي (م)
لم يعد الانقسام في لبنان مجرد اختلاف في الرأي السياسي ، بل أصبح انقساماً في مفهوم الوطن نفسه .
هناك فريق يرفع شعار لبنان أولاً ، ويرى أن السيادة وبناء الدولة هما المدخل الوحيد لإنقاذ البلد ، مهما اختلفت مكوناته السياسية والطائفية .
ويقابله فريق آخر يعتبر أن مرجعيته تتجاوز الحدود اللبنانية ، ويربط خياراته السياسية والعسكرية بالمحور الإيراني ، ويرى أن الأولوية هي للمقاومة قبل الدولة ، حتى لو كان ثمن ذلك استمرار عزلة لبنان واستنزافه.
أما الفريق الثالث ، فهو لا يحمل مشروعاً واضحاً ، بل ينتظر معرفة إلى أين تميل الكفة . لا ينحاز إلى مبدأ ، بل إلى المصلحة ، ويبدّل مواقفه تبعاً لموازين القوى ، لا تبعاً لقناعة وطنية . ومع ذلك ، تبقى لديه ميزة أساسية ، وهي أنه عابر للأديان والطوائف .
في ظل هذا الواقع ، تغيب الهوية الوطنية الجامعة . يصبح الانتماء للطائفة أو للمحور أو للمصلحة أقوى من الانتماء إلى لبنان ، وتتحول الدولة إلى ساحة صراع بين مشاريع متنافسة ، لا إلى مرجعية واحدة لجميع اللبنانيين .
لا يمكن لأي وطن أن يستقر إذا كان أبناؤه مختلفين على هوية وطنهم ، وعلى مرجعيتهم السياسية ، وعلى مفهوم السيادة نفسه . فالدول تُبنى عندما تكون الدولة هي المرجع الأعلى ، لا عندما تتعدد الولاءات وتتنازعها العواصم والمصالح .
إذا استمر هذا النهج ، فلن يكون المستقبل أفضل من الحاضر ، لأن الأزمات لن تنتهي بتبدل موازين القوى ، بل بقيام مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للمواطنة ، ويجعل لبنان هو المرجعية الوحيدة لجميع أبنائه .
أما إذا بقي كل فريق ينتظر انتصار مشروعه على الآخر ، فإن الخاسر الوحيد سيبقى لبنان .


