إلى أهلنا في جزين ومنطقتها، وفي مقدّمهم المنخرطون في العمل الحزبي،
ليست المشكلة في أن نختلف سياسيًا؛ فالاختلاف حقّ، والتنوّع من صميم الحياة الديموقراطية. المشكلة تبدأ حين يفقد الخلاف معناه الحضاري، وينحدر من تنافس في الأفكار والخيارات إلى تجريح وتهشيم وحقد وقطيعة بين الأهل والأقارب والأصدقاء.
لا يليق بجزين، بتاريخها وكرامة أهلها، أن تُختصر ساحتها العامة بصراع بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية أو سواهما، ولا أن تتحوّل انتماءات أبنائها الحزبية إلى جدران تفصل بين البيوت والعائلات. فالأحزاب، مهما علا شأنها، تبقى وسائل للعمل العام وليست أوطانًا بديلة، والسياسة مهما اشتدّت لا تمنح أحدًا حق إلغاء الآخر أو الطعن بكرامته.
من حقّ كل جزّيني أن يختار الحزب الذي يمثّله، وأن يؤيد أو يعارض، وأن ينتقد بصراحة ووضوح. لكن هذا الحق يقابله واجب لا يقلّ شأنًا: أن يصون حرمة الناس، ويحترم اختلافهم، وألّا يجعل من السياسة ذريعة للأذى الشخصي أو القطيعة العائلية.
فالتحالفات تتبدّل، والخصومات السياسية تهدأ وتشتدّ وفق الظروف والمصالح، وقد يجلس المختلفون اليوم إلى طاولة واحدة غدًا. أمّا الكلمة الجارحة، والرحم المقطوع، والصداقة التي هُدمت، فلا تمحو آثارها مصافحة بين زعيمين ولا تسوية بين حزبين.
جزين أكبر من الحسابات الضيّقة، وأعرق من أن تصبح ساحة لتصفية الأحقاد. أرضها وكنائسها وبلداتها وذاكرة أهلها أمانة مشتركة، لا ملكًا لحزب ولا حكرًا على تيار. والانتماء إليها لا يُقاس بحدّة الخصومة مع الآخر، بل بمقدار الحرص على وحدتها وكرامة أبنائها ومستقبل أجيالها.
إن النضج الوطني لا يعني أن نتخلّى عن قناعاتنا، بل أن نتمسّك بها من دون أن نفقد إنسانيتنا. والقوة ليست في رفع الصوت أو كسر الآخر، بل في القدرة على الاختلاف بشرف، والمنافسة بنزاهة، والاحتكام إلى الكلمة وصندوق الاقتراع.
فلنختلف في البرامج والمواقف، ولنتنافس في خدمة جزين وإنمائها، لكن من دون أن نهدم بيتًا أو نقطع رحمًا أو نحوّل الجيرة إلى عداوة. فجزين لا تحتاج إلى أبناء متشابهين في الرأي، بل إلى أبناء مختلفين يجمعهم الاحترام والانتماء والمسؤولية.
جزين أولًا، لا شعارًا في وجه أحد، بل عهدًا بين أبنائها جميعًا: أن تبقى السياسة في حدودها، وأن تبقى كرامة الإنسان ووحدة المجتمع فوق كل حزب وتيار.


