العميد الركن مروان زاكي (م)
عندما تنتهي الحروب ، لا تنتهي معها دائماً شهية القوة . فأحياناً يكون الانتصار العسكري بداية لمرحلة أكثر خطورة ، حين يعتقد المنتصر أن ما استطاع تحقيقه في حرب يمكن أن يحققه في حرب أخرى ، وأن إسقاط خصم يفتح الطريق أمام إعادة رسم المنطقة وفق ميزان القوة الذي يريده .
فماذا عن إسرائيل بعد حربها مع إيران وأذرعها؟
إذا خرجت إسرائيل من هذه الحرب وهي مقتنعة بأن التفوق العسكري يتيح لها إضعاف خصومها واحداً بعد آخر ، فمن سيكون الخصم التالي؟
تركيا دولة إقليمية كبرى ، ذات جيش قوي ، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي . ومصر دولة مركزية في المنطقة ، ذات ثقل عسكري وسياسي وجغرافي لا يمكن تجاهله . وفوق ذلك ، بدأت تتشكل ترتيبات إقليمية جديدة ، فقد وقعت تركيا والسعودية وباكستان اتفاق دفاع مشترك ، فيما طُرح انضمام مصر إلى هذا الترتيب لاحقاً .
وهذا يعني أن أي محاولة لتوسيع دائرة المواجهة قد تجد أمامها قوى أكثر ميلاً إلى بناء توازن إقليمي في مواجهة القوة الإسرائيلية .
والأخطر أن الاحتكاك الإسرائيلي التركي لم يعد مجرد احتمال نظري . فقد شنت إسرائيل غارات على قاعدة أبو الظهور في سوريا ، وهي قاعدة يجري تأهيلها بدعم تركي ، بما يكشف أن الساحة السورية قد تتحول إلى نقطة احتكاك بين الطرفين .
لكن هل يعني ذلك أن إسرائيل ستذهب إلى حرب شاملة مع تركيا ومصر؟
ليس بالضرورة ، بل إن مثل هذا السيناريو سيكون بالغ الخطورة على إسرائيل نفسها . أما فتح مواجهة مع مصر وتركيا في آن واحد فسيكون مغامرة استراتيجية لا تشبه أي مواجهة خاضتها إسرائيل في محيطها .
لذلك قد لا تبدأ المواجهة بحرب معلنة ، بل بصدامات محدودة ، ونفوذ متنافس ، وقواعد عسكرية ، وتحالفات تتشكل في مقابل تحالفات .
فالقوة العسكرية ، مهما بلغت ، لا تمنح صاحبها قدرة مفتوحة على إعادة تشكيل المنطقة إلى ما لا نهاية .
فقد تستطيع إسرائيل تدمير منشآت ، واغتيال قيادات ، وإضعاف جيوش أو جماعات مسلحة ، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها أن تفرض إلى الأبد شكل المنطقة الذي تريده .
بل قد يحدث العكس تماماً .
قد يؤدي إضعاف إيران وأذرعها إلى دفع قوى أخرى ، كانت متباعدة ، إلى الاقتراب من بعضها ، خشية أن تصبح الهدف التالي . قد يكون إضعاف إيران عاملاً يسرّع تشكل توازن إقليمي جديد ، ويجعل القوى الأخرى أكثر استعداداً للتنسيق في ما بينها .
فإذا اعتقدت إسرائيل أن إضعاف خصمها الإيراني يعني أن الطريق أصبح مفتوحاً أمامها ، فقد تكتشف أن الطريق نفسه بدأ يمتلئ بقوى أخرى .
ليست المسألة إذاً نبوءة بحرب إسرائيلية على تركيا ومصر ، ولا توقعاً حتمياً لمواجهة جديدة ، بل تحذير من منطق سياسي وعسكري يتكرر كثيراً .
عندما تنجح قوة في هزيمة خصم ، قد تغريها نشوة الانتصار بالبحث عن خصم آخر . وعندما تشعر القوى الأخرى بأنها قد تكون الهدف التالي ، تبدأ في التكتل ضدها .
وهنا يحضر المثل القديم . أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض . فالمشكلة لا تبدأ دائماً عندما يصل الخطر إليك ، بل عندما ترى الخطر يصل إلى غيرك وتظن أنك بمنأى عنه .
لكن ، هل تعرف إسرائيل كيف تنهي الحرب ، بعد أن عرفت كيف تبدأها؟
التاريخ لا يعيد الأحداث نفسها حرفياً ، لكنه كثيراً ما يعيد أخطاء المنتصرين .


