العميد الركن مروان زاكي (م)
تُروى حكاية من زمن الحرب العالمية الثانية . لا أرويها كواقعة تاريخية مؤكدة ، بل كحكاية تحمل معنى بقي حيّاً رغم مرور الزمن .
كان سائق أحد القادة العسكريين يعود معه من الجبهة ، وعند كل عودة كان الناس يسألونه :
هل قال لك الجنرال متى تنتهي الحرب؟
فيجيب : لم يقل شيئاً .
وتكرر السؤال بعد كل عودة ، وكان الجواب دائماً لم يقل شيئاً .
إلى أن عاد السائق ذات يوم مبتسماً ، فسأله الناس مبتهجين :
هل قال لك الجنرال متى تنتهي الحرب؟
هزّ رأسه وقال : نعم… لقد سألني : متى تنتهي الحرب؟
قد تكون الحكاية غير موثقة ، وقد تكون مجرد قصة تناقلتها الأجيال ، لكن معناها يستحق أن نتوقف عنده .
فالذين يبدؤون الحروب يملكون قرار إطلاقها ، لكنهم لا يملكون قرار نهايتها . تبدأ الحرب بقرار ، ثم تدخل في حسابات كثيرة ، وتتداخل فيها المصالح والردود والتحالفات ، حتى يصل الجميع ، في لحظة ما ، إلى السؤال نفسه : كيف تنتهي؟
وهذا السؤال يبدو اليوم أكثر إلحاحاً ونحن نعيش حرباً مفتوحة في الشرق الأوسط . جبهات تتداخل ، ومواقف تتغير ، وأهداف تُعلن ، وحسابات سياسية وعسكرية لا تتوقف ، فيما يبقى الإنسان العادي خارج كل هذه الحسابات ، ينتظر فقط أن تنتهي الحرب .
في لبنان ، يمكن اختصار كل هذا المشهد بسؤال أكثر بساطة وأكثر إيلاماً :
متى يعود أهل الجنوب إلى بيوتهم؟
متى يعود الأب إلى منزله ، والمزارع إلى أرضه ، والعائلة إلى قريتها ، ويعود الجنوب إلى حياته الطبيعية؟
هؤلاء الناس لا ينتظرون معرفة من انتصر ومن خسر ، ولا يريدون أن يعيشوا أسرى للخرائط العسكرية والحسابات السياسية . هم يريدون أن يعودوا إلى بيوتهم بأمان ، وأن يعرفوا أن العودة هذه المرة ليست مؤقتة ، وأن حياتهم لن تبقى معلّقة بين حرب تنتهي وحرب تبدأ .
قد نختلف في لبنان على أسباب الحرب ، وعلى المسؤول عنها ، وعلى السياسة والسلاح والتحالفات ، وقد يكون لكل طرف روايته وحساباته . لكن هناك سؤالاً إنسانياً لا ينبغي أن يختلف عليه اثنان :
متى يستطيع الجنوبي أن يعود إلى بيته؟
فالمواطن الذي يدفع ثمن الحرب لا يسأل عن المعادلات الكبرى ، ولا عن ميزان القوى ، ولا عن الحسابات الإقليمية والدولية . هو يسأل فقط : متى تنتهي؟ ومتى أعود؟
فالجنرال يعرف كيف يخوض الحرب ، لكنه لم يكن يعرف متى تنتهي . وربما يكون هذا حال كثير ممن يملكون قرار الحرب يعرفون كيف تبدأ ، لكنهم لا يعرفون كيف تنتهي .وربما ايضاً هناك من لا يعرف متى تبدأ ، ولا متى تنتهي ، لكنه يعرف فقط كيف يستمر فيها ، كما حالنا الان .
الهاجس متى يعود الناس إلى بيوتهم؟
فالانتصار الحقيقي ليس أن يبقى الإنسان بعيداً عن أرضه ، ولا أن يعيش المواطن خائفاً من الغد ، ولا أن تبقى قرى الجنوب تنتظر حرباً أخرى كي تعرف مصيرها .
الانتصار الحقيقي أن يعود الإنسان إلى بيته آمناً ، وأن يعود المزارع إلى أرضه ، وأن يصبح صوت الحياة أعلى من صوت الحرب .
وهنا نسأل الذين يملكون قرار الحرب :
هل تعرفون متى تنتهي الحرب؟
فأخطر ما في الحرب أنها قد تبدأ بقرار ، لكنها قد تستمر حتى يصبح السؤال الذي يطارد الجميع سؤالاً لا يعرف أحد منهم جوابه :
متى تنتهي الحرب؟ ومتى يعود أهل الجنوب إلى بيوتهم ؟


