عارف العبد

إحدى محاسن وإيجابيات الجلسات النيابية العامة، إزاء مشاريع محددة، أنها تضع النواب والقوى السياسية على المحك وأمام الامتحان، الذي لا يمكن التهرب منه أو الفكاك من أسره، أو المناورة حياله. إذ ظهرت المواقف السياسية الفعلية، كما هي حقيقة، من دون مساحيق تجميل أو توريات واستعارات.
بمعنى آخر، فإن جلسات مجلس النواب، كمثل التي جرت خلال اليومين الماضيين، بشأن قانون العفو العام ومشاريع قوانين أخرى، كشفت بعض مواقف القوى السياسية واصطفافاتها ومواقعها، كما هي وأين تقف وما هي مصالحها ومكنوناتها، في العمق.
كما كشفت هذه الجلسات مفارقات عدة وزيف ادعاءات ومواقف، لم تكن ظاهرة بهذا الوضوح من قبل.
على سبيل المثال، فقد تبين أن الشخصية السياسية الأكثر عملاً وتصميماً، لاستعادة الدولة لسلطتها الفعلية واحترامها، ولاستعادة المؤسسة العسكرية، أي الجيش اللبناني لدوره وفاعليته وهيبته، متروكة لوحدها تقريباً، بل مُشككاً في موقفها وموقعها وصلاحياتها، التي نص عليها الدستور بشكل واضح.
ليس صدفة، أن ينفجر الخلاف بين رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام وبين قوى سياسية أخرى، على خلفية اتهامه أنه يهاجم الجيش اللبناني، أو يتعرض لهيبته، في الوقت الذي كان الرئيس سلام قد أظهر بمواقفه وممارساته والقرارات التي دفع وقاتل من أجل اتخاذها في مجلس الوزراء، أنه صاحب المبادرات والمواقف الأكثر شجاعة وتقدمية في طرح المبادرات والمواقف والقرارات، التي تهدف إلى استعادة المؤسسة العسكرية لدورها وفاعليتها ومكانتها واحترامها، والتي يؤيدها الشعب اللبناني كمؤسسة محترمة ومتصدرة لكل مؤسسات الدولة، وأجدر في الإمساك بالقرار الأمني والعسكري في البلاد.
هذا إن دل على أمر، فإنه يدل بعد الفضائح والتقصير الأمني المكتشف في الجنوب وأنفاقه “الأكاديمية الأصيلة”، أن هناك أطرافاً وقوى لا تريد للدولة أن تنهض وتكون سيدة قرارها في لبنان.
المفارقة المدهشة، كشفت خلال اليومين الماضيين أن الطريقة التي تم التعامل والتعاطي فيها من قبل بعض الشخصيات والقوى السياسية مع الرئيس سلام، دلت أن هناك من يريد إبقاء اللعبة السياسية والأمنية الدائرة على حالها. أي، اقتسام النفوذ وتوزيع المغانم والحصص، للوصول إلى المراكز والمناصب، وإبقاء الواقع كما هو من أجل إعادة الكرة وعملية الإفادة والاستفادة مرة جديدة.
بدعة البدائع المدوية، ما ظهر وخرج على لسان وممارسات وأدوار نائب رئيس مجلس النواب الياس منتغمري أبو صعب، الذي لم يظهر منه منذ تسنمه مركز نائب رئيس مجلس النواب، إلا إتقانه وتركيزه وميله لنفث وبخ سموم الطائفية والتحريض المذهبي.
لم يبادر أو يطرح أو يثير نائب الرئيس المصون، منذ وصوله إلى موقعه، أو يدخل في مشكلة، ولم يثر إلا مبادرات واقتراحات طائفية، ولم يثر إلا اعتراضات مذهبية، ولم يركب يوماً من منصبه إلا حصان المزايدة والتحريض الطائفي.
آخر الأمثلة ما واجهته النائبة بولا يعقوبيان، حين أثارت مشكلة طرحتها بسؤال، على وزير الدفاع واعتراضها على طريقة رده التنمري عليها، فطالبته بالاعتذار، حيث سارع نائب رئيس المجلس الفريد من نوعه بتفكيره المتميز، إلى اعتراضها بالقول “ارثوذكسي أوعى تقربي.. وقفي عندك”!
يكفي أن يتصدر النائب جميل السيد، بدوره وموقعه السابق والمعروف، نبرة الإثارة والهجوم على سلام، وادعاء الدفاع عن الجيش والمؤسسة العسكرية، لكي تنكشف اللعبة وحقيقتها.
رئيس مجلس الوزراء، الذي تصدر طرح مبادرة حصر السلاح بيد الدولة، ما هي جريمته، إذا طالب بالالتزام بالدستور؟
تقول المادة 64 من الدستور: “رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها ويعتبر مسؤولاً عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء”.
وفي الفقرة الثالثة من المادة نفسها يرد النص التالي: “يطرح سياسة الحكومة العامة أمام مجلس النواب”.. إلى غيرها من الصلاحيات الواضحة والمتعددة التي ينص عليها الدستور.
هل للوزير الحق في الكلام وطرح المبادرات والمواقف؟
طبعا له كل الحق وهو أمر طبيعي.
المادة 66 من الدستور تقول: “يتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين، كل بما يتعلق بالأمور العائدة إلى إدارته وبما خص به”.
المادة 67 من الدستور تقول: “للوزراء أن يحضروا إلى المجلس(يقصد مجلس الوزراء) أنى شاؤوا وأن يُسمعوا عندما يطلبون الكلام ولهم الحق أن يستعينوا بمن يرون من عمال إدارتهم”.
نائب رئيس المجلس رئيس الجامعة الأميركية في دبي “الحداثي القشرة الخارجية” ومُتقن مهنة التدليس و”التفنيص”، حاول ابتكار مهام جديدة للجيش قائلاً: “مؤسسة الجيش لها رأي يجب أن يسمع”؟!
مع الاحترام والتقدير الشديد للجيش اللبناني، من أين اخترع رئيس بلدية الشوير، أبو صعب، هذا الموقع والدور للجيش؟
لماذا يريد إدخال الجيش وقائده كمؤسسة وطنية تشكل ضمانة الجميع، متعالية على الصراعات، في السجالات والمهاترات.
ما هذا الفخ الذي ينصب للمؤسسة العسكرية وتُدفع إليه في هذا الظرف؟ وما المقصود منه؟
لماذا يراد وضع الجيش في مواجهة قسم كبير من الشعب اللبناني، وأهله وناسه وبيئته الوطنية، وفي مواجهة مجموعة معينة تعتبره ضمانتها؟
ما الذي يخطط له جبران باسيل، وجماعته الذين انسحبوا من الجلسة وانكشفت مواقعهم ومواقفهم؟
باسيل المنفعل والمشحون الدائم، وصاحب أكبر كمية من الضغائن والأحقاد في الجمهورية، وأكبر كمية مشكلات، وقف ضد قانون العفو الذي تسبب هو وحزب الله بمظالمه.
بعد أن استكثر على حزب الله وجمهوره المشاركة في تشييع ولي نعمته، حين اغتيل أمينه العام في المدينة الرياضية، يعود اليوم ليستعطف حزب الله، في الموقف الأخير، على أمل النجدة الموعودة في الانتخابات المقبلة، مدعياً الدفاع عن الجيش في وجه من قتله حسب تعبيره.
في السادس من شباط 2006، تم التوقيع على نص تفاهم مار مخايل بين العماد ميشال عون والسيد حسن نصرالله، وقد حقق التيار منه ما أراد وأوصل العماد عون إلى بعبدا، مقابل سكوته عن تجاوزات سلاح الحزب على الدولة وهيبتها.
اليوم مع ملامح عودة إنعاش هذا التفاهم، بالانسحاب المشترك من جلسة قانون العفو لنواب التيار وحزب الله، ماذا سينتج عنه في المستقبل؟
كارل ماركس، سبق أن قال إن التاريخ يعيد نفسه مرتين: الأولى، بشكل كارثي مأساوي، وقد عرفنا وعايشنا التجربة الأولى ونتائجها. أما الثانية، فتكون هزلية كاريكاتورية، وقد شاهدنا بدايتها أمس في جلسة مجلس النواب مع انسحاب نواب تفاهم مار مخايل.


