العميد الركن مروان زاكي(م)
لبنان بلدٌ عجيب ، كلما خرج من ظلّ وصاية ، بدأ يبحث عن ظلٍّ آخر . وكأن مشكلته ليست في الوصاية نفسها ، بل في هوية الوصي .
عشنا طويلاً تحت نفوذٍ إيراني حملته قوةٌ لبنانية ذات قاعدة شيعية ، واليوم ، مع تغيّر موازين القوى في المنطقة ، يبرز نفوذٌ سوري وتركي جديد ، فيما يرى قسمٌ من البيئة السنية في سوريا الجديدة ، وفي أحمد الشرع تحديداً ، سنداً سياسياً مقابلاً . بدل أن يبحث اللبنانيون عن قوتهم في دولتهم ، يبحث كل فريق عن القوة التي يستند إليها خارجها .
المشكلة ليست في الشيعة ولا في السنّة ، وليست في إيران أو سوريا أو تركيا . المشكلة في عقلية طائفية تبحث عن ضمانتها خارج حدود الوطن .
فحين بحثت قوى شيعية عن سندٍ إقليمي ، وجدت في إيران حليفاً ومرجعيةً سياسية وأمنية . واليوم ، ومع تبدّل المشهد ، يبدو أن قسماً من البيئة السنية يجد في سوريا الجديدة وتركيا امتداداً مقابلاً . وهكذا ، بدلاً من أن تتنافس الطوائف على بناء الدولة ، نتنافس على اختيار الدولة الإقليمية التي تستند إليها .
إذا كان لبنان سينتقل من نفوذٍ إيراني ذي قاعدة شيعية إلى نفوذٍ سوري أو تركي ذي قاعدة سنية ، فنحن لم نغيّر المعادلة ، بل غيّرنا العنوان . الوصاية تبقى وصاية ، والتبعية تبقى تبعية ، والدولة تبقى الحلقة الأضعف .
ولعل أبسط صورة تكشف حجم المشكلة هي مشهد استقبال وزير او مسؤول سوري . ما إن يصل إلى لبنان حتى تُرفع اليافطات ، وتُقام الاستقبالات ، وتبدأ عبارات الترحيب والتبجيل ، وكأننا أمام صاحب قرار في وطننا لا أمام ممثل دولة أخرى .
متى نصل إلى اليوم الذي يأتي فيه سفير أو وزير ، فيؤدي مهمته ويغادر ، من دون أن نشعر أن حدثاً وطنياً استثنائياً قد وقع؟
متى يصبح مجيء وزير أمراً عادياً ؟ متى يأتي مندوب ويذهب آخر من دون أن يتحول حضوره إلى مناسبة سياسية أو طائفية أو شعبية؟ عندها فقط نكون قد بدأنا نفهم معنى الدولة .
الدولة المحترمة لا تهين ضيفها ، لكنها أيضاً لا تبالغ في استقباله . تستقبل ممثل الدول باحترام ، وتحفظ له مكانته ، لكنها لا تمنحه ما يفوق موقعه .
لبنان لا يحتاج إلى وصيٍّ جديد ، بل يحتاج إلى أن يتحرر من فكرة الوصاية .
لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لأنهم سمحوا بتحويل الطوائف إلى أبواب مفتوحة أمام الخارج ، وتحويل الخلاف السياسي الداخلي إلى صراع على النفوذ الإقليمي . وكلما شعر فريق بالخطر ، بحث عن حليف خارجي ، وكلما شعر فريق آخر بالضعف ، فعل الشيء نفسه . وهكذا تحوّل الوطن إلى ساحة تتصارع فيها مصالح الآخرين .
لا نريد لبنان إيرانياً ، ولا لبنان سورياً ، ولا لبنان تركياً ، ولا لبنان تابعاً لأي محور . نريد لبنان لبنانياً .
نريد دولةً لا تحتاج فيها طائفة إلى حامٍ خارجي ، ولا حزب إلى قوة خارج مؤسسات الدولة ، ولا سياسي إلى سفارة يستمد منها نفوذه . نريد جيشاً يحمي الجميع ، وقضاءً يحاسب الجميع ، ومؤسسات تكون مرجع الجميع ، وقراراً سيادياً يصدر من بيروت ويعبّر عن مصلحة لبنان .
قد تتغير أسماء الدول المؤثرة ، لكن لبنان لن ينهض ما دام اللبنانيون يتعاملون مع الدولة باعتبارها غنيمة ، ومع الطائفة باعتبارها وطناً أصغر ، ومع الخارج باعتباره ضمانة .
من سيكون صاحب النفوذ في لبنان غداً؟ إيران أم سوريا أم تركيا ام حتى اسرائيل؟
أخيراً هل يستطيع لبنان أن يحكم نفسه؟
المطلوب ان تنتصر الدولة على الجميع .


