بيان شخصي .
لستُ من دعاة الطائفية ، ولم أنظر يوماً إلى انتمائي على أنه سببٌ للتعصب أو الانغلاق ، بل أؤمن بأن قيمة الإنسان تُقاس بأخلاقه ووطنيته وإنسانيته . ومع ذلك ، أعتز بانتمائي إلى هذه الطائفة ، بما تمثله من قيم إعمال العقل ، والعدل ، والصدق ، والتسامح ، والتمسك بالدين السمح .
وأنتمي إلى عائلة كان لها ، عبر تاريخها ، دور في علوم الدين وخدمة الطائفة ، قبل أن تُصاب بنكبة كبيرة خلال ثورة عام 1925 ، حين قضى الاحتلال الفرنسي على معظم رجالها ، ومنهم قاضي المذهب الشيخ نعمان زاكي وقاضي الشرع الشيخ سليمان زاكي ولم يبقَ منها إلا النساء والأطفال انذاك . ولذلك ، فإن ما أطرحه اليوم ليس بدافع الجدل أو الخصومة ، بل وفاءً لإرث عائلي أعتز به ، وحرصاً على القيم التي نشأت عليها ، وإيماناً بأن السؤال الصادق لا ينتقص من هيبة المرجعية ، بل يعزز الثقة بها عندما يجد جواباً واضحاً وصريحاً .
ومن هذا المنطلق ، وحرصاً على الوحدة واحتراماً للمرجعية الدينية ، أطرح هذه التساؤلات راجياً توضيحها ، حتى يبقى أبناء الطائفة على بيّنة مما يُطرح في الشأن الديني ، وتبقى الثقة قائمة بين المرجعية وأبنائها .
لقد تابع أبناء الطائفة في الآونة الأخيرة مواقف وطروحات فُهم منها ، أنها تمسّ هوية الطائفة الدينية أو توحي بتبدّل في بعض ثوابتها .
وهنا تبرز الحاجة إلى موقف واضح من المرجعية الدينية يزيل الالتباس ويضع الأمور في نصابها ، لأن صون الهوية والثوابت الدينية من صميم مسؤوليتها .
وفي هذا السياق ، أين يكون حفظ الإخوان عندما تتعرض السويداء وأهلها للهجوم أو التجريح أو الاستهداف؟
إن حفظ الإخوان لا ينبغي أن يكون شعاراً يُستحضر عند الاختلاف الداخلي ، بل هو قيمة أخلاقية ودينية تقتضي ، في الحد الأدنى ، عدم الإساءة إلى أبناء الطائفة ، وإظهار التعاطف معهم ومساندتهم عندما يتعرضون للأذى ، من دون أن يعني ذلك الدعوة إلى المواجهة أو الانجرار إلى الفتنة والخصومة . فالكلمة الطيبة ، والموقف المتضامن ، ورفض الإساءة ، هي أيضاً من صور حفظ الإخوان .
وكما نطلب من أبناء الطائفة احترام مرجعيتهم الدينية ، فمن حقهم كذلك أن يروا من مرجعيتهم موقفاً واضحاً عندما يتعرض إخوانهم للأذى أو الاستهداف ، لأن المرجعية لا تكتمل هيبتها إلا بوقوفها على مسافة واحدة من أبنائها ، وبما يعزز شعورهم بأنهم جميعاً موضع اهتمامها ورعايتها .
كما أؤمن بأن العدالة لا تتجزأ ، وأن الأحكام الدينية ، متى كانت ثابتة وواجبة التطبيق ، ينبغي أن تُطبَّق على الجميع دون استثناء أو تمييز ، لأن هيبة المرجعية تُصان بالعدل والمساواة ، لا بالانتقائية .
ومن هنا ، فإن الصمت في القضايا التي تمسّ هوية الطائفة أو تثير التباساً حول ثوابتها قد يفتح باب التأويل ويضعف ثقة الناس .
لذلك ، أتوجه إلى مشايخنا برجاء صادق أن يوضحوا لأبناء الطائفة موقفهم من أي تغيير او اجتهاد يتعلق بثوابتهم الدينية ، وأن يكون أي موقف جديد معلناً بوضوح ، ومبيّناً مستنده الشرعي .
إن هذا الكلام ليس موجهاً إلى أشخاص ، ولا يهدف إلى التشكيك من مقام المرجعية ، بل هو تعبير عن حق أبناء الطائفة في المعرفة والاطمئنان . فالسؤال لا يعني التمرد ، وطلب التوضيح لا يعني الإساءة ، والحرص على الهوية لا يعني التعصب .
إن المرجعية القوية هي التي لا تخشى السؤال ، بل تجيب عنه بالحكمة والوضوح ، لأن الثقة لا تُبنى على الصمت ، وإنما على المعرفة والعدل والشفافية . وما أتمناه ليس إلا أن تبقى مرجعيتنا موضع ثقة واحترام ، وأن يبقى أبناء الطائفة موحدين حول ثوابتهم ، بعيدين عن الفتنة والانقسام ، وأن يكون حفظ الإخوان قيمة حاضرة في القول والموقف ، في الداخل والخارج .
والله من وراء القصد .


