لم يكن توقيع وليد جنبلاط مذكراته «قدر في هذا المشرق» مجرد مناسبة لاستعادة خمسين عامًا من السياسة والحرب والتحولات، بقدر ما تحوّل إلى قراءة في حاضر لبنان ومستقبله، من رجل يقول إنه سلّم الراية إلى نجله تيمور، لكنه يجد نفسه، كلما اشتدت العواصف، عائدًا إلى قلب المشهد.
ثلاث سنوات احتاجها جنبلاط ليجمع ما استطاع من ذاكرة نصف قرن، لكنه اختار أن يضع نقطة النهاية عند اتفاق الطائف. فالذاكرة، كما قال، أكبر من أن تُحشر كلها بين دفتي كتاب. أما الرواية التي كتبها، فلا يقدمها بوصفها «الحقيقة»، بل باعتبارها وجهة نظر شخصية، لأن لكل طرف روايته وذاكرته وقراءته للأحداث.
ومن كمال جنبلاط إلى تيمور جنبلاط، بدا الكتاب أيضًا حكاية ثلاثة أجيال سياسية، لكل منها زمنه وشخصيته وظروفه. وليد جنبلاط حسم المقارنة بعبارة واضحة: «أنا لم أكن كمال جنبلاط، وابني لن يكون وليد جنبلاط». فوالده حمل مشروعًا يتجاوز الإطار الدرزي إلى فضاء عربي أوسع، فيما فرضت الحرب على الابن هاجس حماية طائفته وإبعادها قدر الإمكان عن أتون الصراع.
أما تيمور، فقد تسلّم المسؤولية منذ سنوات، غير أن انتقال القيادة لم يعنِ خروج وليد جنبلاط نهائيًا من المسرح. حرب غزة وارتداداتها اللبنانية أعادته إلى مساحة أوسع من الحركة، في شراكة سياسية مع نجله فرضتها دقة المرحلة وخطورتها.
ومن الماضي إلى الحاضر، بقي هاجس جنبلاط واحدًا: كيف يحمي لبنان نفسه في منطقة تعاد صياغتها بالقوة؟
في الداخل، لا يرى طريقًا بديلًا من الحوار مع «حزب الله». فمقاتلو الحزب، في نظره، أبناء الجنوب والبقاع وجزء من النسيج اللبناني، ولذلك يرفض مقاربة المسألة بمنطق العزل أو العودة إلى نظريات انعزالية سبق للبنان أن دفع أثمانها.
وبالمعيار نفسه، يقارب العلاقة مع سوريا: لا قطيعة ولا تبعية. المطلوب، وفق رؤيته، علاقة واضحة «من دولة إلى دولة»، لأن تحسينها يخدم الوحدة الوطنية اللبنانية، شرط ألّا يعود لبنان ملحقًا بسوريا أو ساحة تابعة لها.
لكن أكثر الملفات حساسية في قراءة جنبلاط كان إسرائيل ومستقبل الصراع معها. فهو لا يرفض التفاوض، مباشرًا كان أو عبر وسيط، إلا أنه يعتبر أن لبنان دخل هذا المسار بأوراق ضعيفة، فيما كان يستطيع التشبث بما لديه من مرجعيات واتفاقات، وفي مقدمتها اتفاق الهدنة.
وبالنسبة إليه، ما يحدث في الجنوب لم يعد مجرد جولة عسكرية. الخطر أعمق: «تدمير منهجي للبيت والحجر والتراث والمقابر»، بما يهدد ذاكرة الجنوبيين وارتباطهم بأرضهم، لا البنية المادية وحدها.
ومن هنا يأتي قلقه من التطبيع. فالمسألة، في نظره، لا تتوقف عند اتفاق سياسي محتمل، بل تطاول أسئلة تتصل بهوية الدولة نفسها: إذا كانت عقيدة الجيش اللبناني قد حدّدت العدو، فماذا يبقى من هذه العقيدة إذا تبدلت طبيعة العلاقة مع إسرائيل؟
وفي مقاربته للدور الأميركي، لا يفصل جنبلاط بين واشنطن وتل أبيب، نظرًا إلى عمق التحالف والتداخل السياسي والعسكري والفكري بينهما، لكنه لا يعتبر النفوذ الأميركي على إسرائيل مستحيلًا. واستعاد في هذا السياق أزمة السويس عام 1956، للدلالة على أن واشنطن تستطيع الضغط عندما تقرر ذلك.
وسط هذه الأسئلة الكبرى، عاد جنبلاط إلى إرث والده كمال جنبلاط، الذي رأى لبنان جزءًا من فضاء عربي أوسع، من دون التفريط باستقلاله، ودعا إلى تطوير نظامه في اتجاه ديمقراطي علماني قائم على التعددية. كما استعاد علاقته بجمال عبد الناصر وتمسكه بالبعد العربي والقضية الفلسطينية.
أما في الداخل اللبناني، فتظل مصالحة الجبل مع البطريرك الراحل نصرالله صفير واحدة من المحطات التي يضعها جنبلاط خارج الحسابات الظرفية. فهي بالنسبة إليه ليست تفاهمًا سياسيًا عابرًا، بل أساس يجب حمايته مهما تبدلت التحالفات والظروف.
وفي موازاة ذلك، بقي فلسطين حاضرًا في خلاصاته: «الحق الفلسطيني أساس للحق العربي».
هكذا، بين ذاكرة كمال جنبلاط، وتجربة وليد، وانتقال الأمانة إلى تيمور، لا تبدو «قدر في هذا المشرق» سيرة رجل أنهى رحلته السياسية، بقدر ما هي شهادة رجل عاش تقلبات المشرق واكتشف بعد خمسين عامًا أن الطريق الذي ظنه طويلًا لم يصل بعد إلى نهايته.
فعبارته التي قالها يوم تسلّم الحزب بعد اغتيال والده لا تزال، بالنسبة إليه، صالحة اليوم: «لا نزال في أول الطريق».
ولعل خلاصة الكتاب والمرحلة معًا اختصرها جنبلاط بجملة أكثر دلالة من كل التفاصيل: «لنبقَ على قدرنا في لبنان». ففي شرق تتغير خرائط القوة والتحالفات فيه بسرعة، يرى أن حماية لبنان تبدأ من إدراك حدوده، وتقوية وحدته الداخلية، وتحصين علاقاته، بدل تحميله أدوارًا أكبر من قدرته على الاحتمال.
فالكتاب يستعيد خمسين عامًا مضت، لكن السؤال الذي تركه جنبلاط مفتوحًا يتعلّق بما هو آتٍ: أيّ لبنان سيبقى في المشرق الجديد؟


