العميد الركن مروان زاكي (م)
يُحكى في الصالونات السياسية ، ويتردد صداه في أروقة العدلية ، أن هناك توجّهًا لإقالة الرئيس الأول لمحكمة التمييز ، رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود ، قبل انتهاء ولايته بالتقاعد في 20 حزيران 2027 ، نتيجة ملاحظات قيل إنها سُجّلت بحقه .
لا أعرف كيف تُحسم مسألة تتعلق برأس السلطة القضائية في الصالونات السياسية ، ولا كيف يصبح مصير قاض يشغل هذا الموقع مادةً للتداول قبل أن يكون للقضاء كلمته . فالقضاء ، في أي دولة تحترم نفسها ، ليس ساحةً للرسائل السياسية ، ولا موقعاً يخضع لموازين القوى ، ولا مؤسسةً تُدار وفق رغبة هذا الفريق أو ذاك .
القضاء هو الملاذ الأخير للمواطن عندما يفقد ثقته بكل شيء . هو المؤسسة التي يُفترض أن يقف أمامها الكبير والصغير على قدم المساواة ، وأن تكون أحكامها بمنأى عن النفوذ والضغط والحسابات السياسية . لذلك ، فإن مجرد تداول مصير رأس السلطة القضائية في الصالونات السياسية يجب أن يقلقنا ، حتى قبل أن نعرف إن كان الخبر صحيحاً أم مجرد جس نبض أو رسالة سياسية .
إذا كانت هناك ملاحظات على أداء أي قاض ، فليكن القانون هو الفيصل . وإذا كانت هناك مخالفات ، فلتُفتح الملفات . وإذا كان هناك تقصير ، فلتكن المحاسبة واضحة وشفافة . أما أن تتحول المسألة إلى حديث في الصالونات وتسريبات في الإعلام ، فهذا يعني أن المشكلة تجاوزت الشخص وأصبحت تمس صورة المؤسسة التي يُفترض أن تكون فوق الأشخاص .
لكن ماذا نفعل في بلد أصبح فيه كل شيء جائزاً ؟
نسمع عن التعيينات قبل صدورها ، و الإقالات قبل حصولها ، و التسويات قبل أن تبدأ ، وعن القرارات قبل أن تصل إلى أصحابها . وكأن الدولة لم تعد تحتاج إلى مؤسسات لاتخاذ قراراتها ، يكفي أن تجتمع بعض الصالونات ، ثم يتولى الإعلام إيصال الرسالة إلى من يعنيه الأمر .
الإعلام يستطيع أن ينقل الخبر ، وأن يسأل ، وأن يراقب ، وأن يكشف . لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى أداة ضغط على القضاء ، كما لا يجوز للسياسة أن تتحول إلى سلطة فوق السلطة القضائية .
لسنا مع حماية أي قاضٍ من المحاسبة ، ولسنا مع تحصين أي مسؤول قضائي من القانون . لكننا في الوقت نفسه لسنا مع تحويل المحاسبة إلى وسيلة لإخضاع القضاء . هناك فرق كبير بين أن تُحاسَب السلطة القضائية وفق القانون ، وأن تُستخدم المحاسبة ذريعة للتدخل فيها .
القضاء ليس ملكاً للقاضي ، كما أنه ليس ملكاً للسياسي . القضاء ملك للعدالة ، والعدالة ملك للمواطن .
عندما يصبح الصغير قادراً على تناول الكبير ، اعرف أنك في لبنان .
هنا ، الكلام من فوق ، والتسريبات من تحت ، وبينهما قضاء يُفترض أن يبقى فوق الجميع .
ولذلك ، هل ما زال القضاء في لبنان قادراً على أن يقرر مصيره بنفسه؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في دولة ليس أن يرحل قاض أو يبقى قاض ، بل أن يصبح القضاء نفسه بحاجة إلى من يحميه من التدخل السياسي .
عندها لا يعود الخلل في العدلية فقط… بل في الدولة كلها .
عندما تتدخل السياسة في القضاء ، فاعلم أن الدولة دخلت مرحلة الخطر ، فإذا فسد الملح ، فبماذا يُملح ؟


