العميد الركن مروان زاكي(م)
عندما يصبح راتب الموظف عاجزاً عن تأمين أبسط حاجات الحياة ، فالمشكلة لم تعد في غلاء سلعة أو ارتفاع سعر خدمة ، بل في خلل أعمق : ماذا بقي من قيمة العمل؟
الموظف يعمل شهراً كاملاً ، ينتظر راتبه ماذا بقي من قيمة العمل ، ثم يكتشف أن ما يتقاضاه لم يعد يكفي لتأمين احتياجات أسرته الأساسية . ومع كل ارتفاع جديد في الأسعار ، تتراجع قدرته على الحياة أكثر ، فيما يبقى راتبه عاجزاً عن اللحاق بكلفة المعيشة .
وتدور اليوم ضجة كبيرة حول معاش العسكري ، والحديث عن الستة رواتب ، وكأننا أمام زيادة هائلة أثقلت الخزينة وغيّرت واقع العسكري . لكن عندما نضع الأرقام في حجمها الحقيقي ، تبدو الصورة مختلفة .
فبالنسبة إلى الجندي ، وهو في أدنى الرتب ، لا تتجاوز الزيادة الناتجة عن الستة رواتب الـ 200 دولار ، ويصبح راتبه نحو 350 دولاراً
أما العميد ، وهو في أعلى الرتب العسكرية ، فتُحتسب الستة رواتب على أساس المعاش القديم الذي كان قد فقد معظم قيمته نتيجة انهيار سعر الصرف . وباحتساب نحو 60 دولاراً للراتب القديم، تصبح الزيادة قرابة 360 دولاراً . وهكذا، فإن راتباً كان يُفترض أن يكون في حدود 850 دولاراً ، قد يصل بعد الزيادة إلى نحو 1300 دولار ، بحسب طريقة الاحتساب .
قد تبدو عبارة ستة رواتب كبيرة عند سماعها .
لكن الأرقام وحدها لا تكفي للحكم . يجب أن نقارنها بكلفة الحياة ، وبما يتقاضاه العاملون في مواقع أخرى داخل الدولة .
وهنا تظهر المفارقة الحقيقية :
كيف يصبح الحديث عن بضع مئات من الدولارات بالنسبة إلى العسكري والموظف قضية مالية كبرى ، بينما يرتفع راتب النائب من 3,000 إلى 5,000 دولار ، فضلاً عما قد يدخل في احتساب مخصصاته وبدلاته؟
ليس الاعتراض على أن يتقاضى النائب دخلاً لائقاً . فمن حق كل من يتحمل مسؤولية أن يحصل على أجر عادل . لكن المشكلة تبدأ عندما يختل ميزان العدالة بين من يعمل طوال الشهر ، ومن يفترض أن يكون موقعه في خدمة هذا الموظف والعسكري والمواطن .
الموظف ليس رقماً في جدول الرواتب ، والعسكري ليس مجرد رتبة ، والنائب ليس فوق المعيار الاجتماعي الذي يخضع له الجميع .
في الدولة العادلة ، يجب أن يكون هناك معيار واحد : قيمة العمل ، وحجم المسؤولية ، والقدرة على العيش بكرامة .
الدولة لا تُقاس بعدد مؤسساتها ، ولا بحجم موازناتها ، بل بقدرتها على حماية الإنسان الذي يعمل فيها ، وبضمان أن يبقى العمل طريقاً إلى حياة كريمة ، لا مجرد وسيلة للبقاء.
وحين يصبح الموظف مضطراً إلى التفكير في كيفية تأمين أساسيات حياته رغم أنه يعمل ويؤدي واجبه ، فالمشكلة ليست في الموظف الذي يطلب زيادة ، ولا في العسكري الذي يطالب بحقه .
المشكلة في دولة لم تعد تعطي العمل قيمته ، ولا الإنسان حقه في أن يعيش بكرامة .
فالدولة التي لا يكفي فيها الراتب للحياة ، عليها أن تسأل نفسها قبل أن تسأل موظفها ،
ماذا يعني أن تعمل طوال الشهر ، ثم لا يكفي راتبك لتعيش؟


