الجنوب ينزف، والعالم يشيح بوجهه. لم يعد ما يجري مجرد خبرٍ عابر على شاشات العالم، بل مأساة تتفاقم على مرأى من الجميع، فيما تتوالى بيانات الشجب والقلق وكأن الكلمات قادرة على إطفاء النار أو وقف النزيف.
حين يصبح الصمت الدولي بديلاً من الفعل، تفقد المواقف معناها، وتتحول الإنسانية إلى شعارٍ أجوف. هنا، حيث يُترك الناس في مواجهة الخوف والموت والدمار، تنكشف حقيقة عالمٍ كثيرًا ما يستيقظ عندما تُمسّ مصالحه، ويغفو عندما يكون الثمن دم الآخرين.
الجنوب ليس رقمًا في نشرة أخبار، ولا أرضًا تُستباح ثم تُنسى. وراء كل بيتٍ مهدّم قصة وجع، ووراء كل أرضٍ محترقة حكاية، ووراء كل ضحية عائلة وألم لا تختصرهما بيانات التعاطف.
كفى إدارةً للمأساة عن بُعد، وكفى اعتقادًا بأن بيانات الإدانة يمكن أن تكون بديلًا من تحمّل المسؤولية. فالصمت لا يوقف النار، واللامبالاة لا تصنع سلامًا، وترك النزيف مفتوحًا لن يجعل تداعياته تختفي.
على العالم أن يسمع صوت الجنوب قبل أن يصبح الصمت نفسه شاهدًا على عجزه. فالعدالة لا تُقاس بعدد البيانات، ولا قيمة للمواقف إن بقيت عاجزة أمام الدم والدمار.
الجنوب لا يستجدي اهتمامًا، بل يفرض نفسه قضيةَ عدالة.
ومن لا يقف اليوم في وجه هذا النزيف، سيقف غدًا أمام محكمة التاريخ، في مواجهة ذاكرةٍ لا تنسى وجرحٍ لا يغفر.


