في وقتٍ لا يزال فيه آلاف اللبنانيين يكافحون لتأمين أبسط مقومات العيش، سيرتفع اعتبارًا من الأول من أيلول مجموع ما يتقاضاه النائب اللبناني إلى نحو خمسة آلاف دولار شهريًا، نتيجة الآلية المالية التي أقرها مجلس النواب عبر تعزيز مخصصات صندوق تعاضد النواب، لا من خلال قانون مستقل لرفع الراتب الأساسي.
قد يختلف الوصف القانوني بين راتبٍ ومخصصات، لكن النتيجة بالنسبة إلى المواطن واحدة: نائبٌ يتقاضى نحو خمسة آلاف دولار، فيما لا يزال الشعب يقتات على الفتات.
لا أحد يعترض على أن يتقاضى النائب ما يضمن استقلاليته وكرامة موقعه، لكن الكرامة لا يمكن أن تكون امتيازًا للمسؤول وحده، فيما المواطن يفقد كل يوم جزءًا من كرامته تحت وطأة الغلاء والانهيار وتراجع القدرة الشرائية.
المشكلة ليست في قيمة المبلغ، بل في ترتيب الأولويات. فإذا كانت الدولة قادرة على تأمين موارد إضافية، فمن الطبيعي أن يكون العسكري، والموظف، والمتقاعد، والمعلم، والعامل، وأصحاب الدخل المحدود في مقدمة الاهتمام، لا أن يشعر المواطن بأن السلطة سارعت إلى تحسين أوضاعها قبل أن تلتفت إلى أوضاعه.
فالنيابة ليست امتيازًا، بل مسؤولية. والسلطة ليست مكافأة، بل تكليف. وعندما تتسع الفجوة بين ما يعيشه الناس وما يتقاضاه ممثلوهم، لا تسقط العدالة الاجتماعية فحسب، بل تتراجع أيضًا ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.
في وطنٍ يهاجر شبابه بحثًا عن فرصة، وتعجز فيه عائلات كثيرة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، يبدو الحديث عن خمسة آلاف دولار للنائب وكأنه رسالة خاطئة في توقيتٍ هو الأسوأ.
بين شعبٍ يقتات على الفتات، وسلطةٍ تزيد مخصصاتها، لا تكمن المشكلة في قيمة الراتب… بل في قيمة الرسالة التي تصل إلى الناس.
ويبقى السؤال: كيف يمكن مطالبة اللبنانيين بالصبر والتضحية، فيما يشعرون أن أول من تحسنت أوضاعهم هم ممثلوهم؟


