4 آب والعدالة المستحيلة!
سمير سكاف – كاتب وخبير في الشؤون الدولية
أصبحت ذكرى تفجير بيروت في 4 آب محطة، ووقفة ضمير وطنية، تُعاد فيها حسابات التقصير الوطني في إدارة البلاد من قبل السلطة اللبنانية ومن قبل كل الأفرقاء السياسية!
وما يزال الجميع في لبنان ينتظر طيفاً من العدالة، لأنه لا عدالة على الأرض!
ولن تعيد أي عدالة الضحايا، الذين انتقلوا الى العالم الآخر!
ولن تمحو أي عدالة آثار الجروح البليغة في أجساد الجرحى.
ولن تعوض العدالة معظم الخسائر في المباني والأموال والأعمال…
ولن تعيد العدالة عقارب الساعة الى الوراء، الى الساعة 6:06!
إذ دخل لبنان كله في زمن الساعة 6:07 الى الأبد!
ولكن “طيف” العدالة، وإن كان لا يُصلح الماضي، ولكنه يستطيع أن يعيد بعضاً من الأمل في المستقبل.
لذلك، ما يزال الجميع ينتظر نتائج التحقيق!
وتتجدد الوعود اليوم بصدور هذه النتائج قبل نهاية هذه السنة!
وما على السامع إلا أن يتأمل… كما تأمل في السنوات السابقة!
ومع ذلك، فإن أقصى ما كان يطمح إليه اللبنانيون هو عدم تكرار 4 آب!
ولكن ذلك لم يحصل!
في 4 آب بيروت، سقط 220 شهيداً وضحية (اختاروا التعبير الذي تفضلون).
وفي هذه الحرب الأخيرة الجارية، والتي تركز حالياً على جنوب لبنان، تخطت المآسي بحجمها التراكمي مآسي 4 آب “البيروتية”!
إذ بلغ عدّاد الشهداء 4.300 شهيد حتى اليوم، مع تفجيرات يومية هائلة في قرى جنوبية عديدة!
أكبرها كان في يحمر الشقيف ب700 كغ من المتفجرات لأحد أكبر الأنفاق الجنوبية!
طبعاً، تختلف الظروف. وتختلف الخلفيات. وتختلف المناطق…
ولكن القاسم المشترك بين تفجير 4 آب وبين الحرب الجارية هو توجيه أصابع المسؤوليات، بمعزل عن حجمها، الى اسرائيل والى حزب الله!
حيث يدفع المدنيون في الحالتين الأثمان الكبرى للحروب الاسرائيلية – الايرانية على أرضهم.
ليس كل شهداء الحرب في الجنوب من الموالين لحزب الله، ولا كلهم من بيئته. وإن كانت غالبيتهم تنتمي الى هذه البيئة!
ولا أهل كل شهداء الجنوب يرددون فدى المقاومة أو فدى السيد. ولا كل من خسر منزله وليس له سقف سوى السماء يؤمن بحروب إسناد حزب الله…
في الجنوب اليوم، يبتعد “طيف” العدالة يوماً بعد يوم، في ظل التوتر الإقليمي، وفي ظل الاستهدافات المتبادلة الاسرائيلية – الإيرانية، التي لن تتوقف عما قريب.
إن حرب المنطقة طويلة، ولكنها على موجات!
وهي تشتد وتتراجع على إيقاع مد العمليات العسكرية وجَزر الهدنة والوساطات والضجيج التفاؤلي ومذكرات التفاهم التي تلد في الحاضنة (Couveuse) قبل أن تسقط سريعاً في الكوما.
من جهته، يسعى لبنان الرسمي بشجاعة لإخراج لبنان من دوامة الحروب والتفجيرات. ولكنه يدرك أنه يسير في حقول ألغام ومستنقعات ورمال متحركة.
فالأسلوب الاسرائيلي في التفاوض مرهق للبنان. هو مطاط جداً مع المناطق التجريبية. وهو يريد إطالة أمد الحلول لسنوات وسنوات.
كما أن الاسرائيلي لن ينسحب من لبنان عما قريب. وهو لن يسمح لا بعودة الأهالي ولا بإعمار العديد من البلدات الحدودية قبل سنوات، وقبل تسليم أو نزع سلاح حزب الله!
وحزب الله من جهته لن يُخفض التزامه بخط مغاير، إيراني، يعتمد على وحدة المسارين الإيرانية.
ولن يقبل حزب الله بأي شكل من الاشكال أن يسلم سلاحه الى الجيش اللبناني!
وإن كانت تجربة حماس في تسليم سلاحها، تفترض من حزب الله التمعن جيداً في ما حدث للحركة في غزة!
في الواقع، لن تأتي العدالة مطلقاً، لا للبنان، ولا لأهالي ضحايا 4 آب، ولا لأهالي الجنوب… ولكن اللبنانيين ينتظرون، على الأقل، طلة “أطيافها”، ولو بعد حين!


