العميد الركن مروان زاكي (م)
اقترح محافظ بيروت إطلاق اسمي زياد الرحباني ومحمد قعبور على شارعين في العاصمة .
والحمد لله ، جاء الاقتراح متوازناً طائفياً ، بحيث لا نتهم المحافظ ولا نفترض في اختياره حساباً طائفياً ، بل نتوقف عند المسار السياسي والاجتماعي الذي جعلنا نقرأ الأمور بهذه الطريقة ، وكأن التوازن بين الطوائف أصبح أمراً طبيعياً حتى في تسمية الشوارع .

تكريم من ترك أثراً في الفن والثقافة أمر جميل ومطلوب . لكن المشكلة تبدأ عندما تدخل الطائفية إلى التكريم ، فنشعر أن اسم زياد لا يكتمل إلا باسم مسلم إلى جانبه ، واسم قعبور بحاجة إلى اسم مسيحي يرافقه . وكأن العدالة اللبنانية لا تتحقق إلا عندما يكون لكل اسم اسم من طائفة أخرى يقابله .
زياد الرحباني لم يكن في وجدان الناس اسماً طائفياً ، كما أن محمد قعبور لا ينبغي أن يُختزل في انتمائه الطائفي . كلاهما فنانان لبنانيان تركا أثراً في مجاله ، وكلٌّ منهما يُكرَّم على ما قدّمه ، لا على الخانة المذهبية التي تحملها تذكرته .
فزياد ليس بحاجة إلى اسم مسلم إلى جانبه كي يكتمل تكريمه ، كما أن قعبور ليس بحاجة إلى اسم مسيحي مقابله. المشكلة تبدأ عندما نضعهما معاً لا لأنهما يستحقان التكريم كلٌّ على حدة ، بل لأن طوائفهما تبدوان وكأنهما تكملان بعضهما بعضاً .
المهم ليس إلى أي طائفة ينتمي صاحب الاسم ، بل ماذا قدّما للبنان ، وماذا تركت في ذاكرة اللبنانيين .
هذه إحدى مشكلات الطائفية في لبنان . أنها لا تكتفي بأن تكون نظاماً سياسياً ، بل تحولت إلى طريقة تفكير . حتى عندما نحاول تجاوزها ، نجد أنفسنا نبحث عنها في التفاصيل .
ويُحكى قديماً ، في حكاية شعبية لا أوردها كواقعة تاريخية موثقة ، أن رجلاً صدر بحقه حكم بالإعدام ، لكن تنفيذ الحكم تأخر إلى أن صدر حكم آخر بحق شخص من طائفة مقابلة ، حتى يتحقق التوازن.
قد تكون الحكاية مبالغاً فيها ، لكنها تختصر بسخرية كيف يمكن للعقل الطائفي أن يجعل حتى العدالة خاضعة لمنطق التوازن .
ولكي لا نظلم المحافظ ، قد يكون اختيار الاسمين عفوياً تماماً . لكن المشكلة ليست في النية ، بل في البيئة التي جعلتنا نتساءل : هل عاد ٦ و٦ مكرر ليحكم حتى أسماء الشوارع؟
وقد تكون المفارقة أن بيروت عرفت أيضاً شوارع حملت أسماء شخصيات أجنبية ، من ويغان إلى اللمبي إلى فوش…، كما حمل أحد شوارعها اسم الخميني ، وكأن شوارع العاصمة كانت أحياناً مرآة للنفوذ السياسي أكثر مما كانت مرآة للبنان نفسه .
فهل نريد لشوارعنا أن تعكس طوائفنا ، أم أن تعكس لبنان وتاريخه وشخصياته؟
قد يكون الأمر عفوياً ، لكن هذه العفوية نفسها تذكّرنا بأن الطائفية في لبنان لم تعد مجرد نظام سياسي ، بل أصبحت عقدة في وعينا وثقافتنا ، حتى إننا نستحضرها أحياناً من حيث لا نشعر . نريد أن نصل إلى اليوم الذي لا نسأل فيه عن طائفة من نكرّمه ، بل نسأل ببساطة : ماذا قدّم للبنان ، وماذا ترك في ذاكرة اللبنانيين؟
بيروت لا تحتاج إلى شوارع متوازنة طائفياً ، بل إلى شوارع متساوية إنسانياً .
فالتوازن الحقيقي ليس أن تحصل كل طائفة على حصتها ، بل أن يأتي يوم لا يحتاج فيه اللبناني إلى طائفته كي يأخذ حقه .


