الناشط السياسي إيلي كرم
الغربة ليست سفرًا إلى بلدٍ آخر… بل رحلةٌ طويلة إلى أعماق النفس، حيث يكتشف الإنسان كم يحمل وطنه في قلبه، حتى وهو يبتعد عنه آلاف الكيلومترات.
هناك، يصبح للوطن رائحة لا تُنسى، وللشوارع التي اعتدناها قيمة لم ندركها يومًا، وللوجوه التي مررنا بها كل صباح مكانة لا يعوّضها أحد.
في الغربة، تكتشف نفسك كما لم تعرفها من قبل. تدرك من يحبك لذاتك، ومن كانت تجمعك به المصلحة أو الظروف. تتساقط الأقنعة، ولا يبقى معك سوى الصادقين.
وفي لياليها الطويلة، تعود الذكريات دون استئذان. تمرّ أمامك طفولتك، وأصدقاؤك، وضحكات الأمس، فتبتسم للحظة… ثم تكتشف أن الابتسامة تخفي دمعة لم تستطع منعها.
في الغربة، تتعلم أن تضمّد جراحك بيديك، وأن تواجه الحياة وحدك. لكن جراح القلب تبقى عصيّة على العلاج، فلا يداويها إلا حضنٌ يعرفك، وصوتٌ يطمئنك، ووطنٌ ينتظر عودتك.
قد تجمعك الحياة بأشخاص من كل بقاع الأرض، لكن صديق الطفولة يبقى استثناءً لا يُشبهه أحد، وتبقى الذكريات القديمة أكثر دفئًا من أي حاضر، لأنها وُلدت في زمنٍ لم يكن يعرف التكلّف.
تمرّ السنوات… يشيب الشعر، وتثقل الخطوات، ويكبر الحنين بدل أن يهدأ. تتظاهر بالقوة أمام الناس، لكنك حين تغلق باب منزلك، وتواجه مرآتك، تسقط كل الأقنعة، ويظهر الإنسان الذي أتعبه الاشتياق.
الغربة تُعلّم الإنسان الكثير… لكنها لا تستطيع أن تنتزع من قلبه وطنًا، ولا أن تُسكت حنينًا، ولا أن تعوّض دفءَ بيتٍ ترك فيه جزءًا من روحه.
فالوطن ليس المكان الذي نعيش فيه… بل المكان الذي يعيش فينا، مهما ابتعدنا عنه.


