بقلم جورج حايك:
قد يبدو السؤال صادماً، لكنه يفرض نفسه بإلحاح:
هل أصبح اللبنانيون الذين لا يحملون السلاح
يحبّون الجيش اللبناني أكثر ممّا يحبّ الجيش نفسه؟
نحن لا نرى في لبنان مؤسسة تستحق ثقتنا كما
يستحقها الجيش. فهو بالنسبة إلى ملايين اللبنانيين
الملاذ الأخير، والرمز الوحيد الذي يجمعهم تحت علم واحد.
لكن، في المقابل، يصعب تجاهل حقيقة مؤلمة:
فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، يتعايش هذا الجيش
مع ميليشيا مسلّحة تتبع لإيران، تتلقى قرارها
من إيران، وتخوض حروبها خدمةً للمشروع الإيراني.
قد يُقال إن السلطة السياسية منذ التسعينيات
وحتى عام 2005 كانت رهينة الوصاية السورية،
وأنها لم تكن تملك قرارها، فاضطرت إلى مساكنة
هذا الواقع المفروض عليها. لكن ما الذي يبرّر استمرار هذه المساكنة منذ عام 2005 وحتى اليوم؟
صحيح أن طبقة سياسية واسعة بقيت خاضعة
أو خائفة من “حزب الله”، وربما استفادت بعض
أطرافها من هذا الواقع بفعل الفساد والمصالح،
إلا أن ذلك لا يفسّر استمرار تقييد المؤسسة العسكرية،
حتى بدا وكأنها أُجبرت على أن تعكس صورة السلطة
نفسها: مترددة، مقيدة، وخائفة من مواجهة الميليشيا.
اليوم تغيّرت الظروف. تبدو السلطة السياسية،
بقيادة الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام،
أكثر جرأة في مقاربة هذا الملف، ومع ذلك
لا يزال الجيش مكبّل اليدين، وكأن هناك من
يصرّ على إبقائه أسير معادلة لم يعد لها أي مبرّر.
من حق اللبنانيين أن يتساءلوا: كيف يمكن أن
يستمر التعايش بين جيش شرعي يمثل الدولة،
وميليشيا تمتلك قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها؟
كيف يمكن أن يتحول هذا التناقض الصارخ إلى أمر اعتيادي؟
أما التذرّع بالحفاظ على السلم الأهلي والخوف
من حرب أهلية، فلم يعد يقنع أحداً. فالجيش ليس
حزباً سياسياً، ولا طرفاً في نزاع داخلي، بل هو المؤسسة
التي أوكل إليها الدستور والقوانين حماية الدولة
وفرض سلطتها على كامل أراضيها. وإذا قام بمهمة
نزع السلاح غير الشرعي، فهو لا يخوض حرباً أهلية،
بل ينهي حالة تمرّد على سيادة الدولة ويطبّق القانون.
ويقال إن الجيش لا يملك الإمكانات الكافية،
وإنه يحتاج إلى تسليح نوعي وقدرات أكبر.
إذاً، لماذا لا تُبذل كل الجهود لتسليحه وتعزيز قوته؟
لماذا يُترك يواجه هذا الواقع بإمكانات محدودة،
ثم يُستخدم هذا النقص ذريعة لتبرير استمرار الوضع القائم؟
وإذا كانت الإرادة الحقيقية موجودة، فليُدعَم الجيش
بكل ما يحتاج إليه، أما الاكتفاء بالأعذار فلم يعد مقبولاً،
لأنه يفتح الباب أمام اتهامات بالتخاذل، أو بالتسليم
الضمني باستمرار هيمنة الميليشيا على حساب سيادة لبنان.
لقد تعب اللبنانيون من دفع أثمان الحروب التي
لا يقررونها. تعبوا من أن يبقى مستقبلهم ومستقبل
أولادهم رهينة تنظيم مسلح يجرّ البلاد إلى
مواجهات لا يريدها معظم اللبنانيين. ولم يعد
الأمر يتعلق فقط بمستقبل الدولة، بل أيضاً بمكانة
الجيش نفسه. فكل يوم تستمر فيه هذه المعادلة،
تتراجع هيبة المؤسسة العسكرية، ويتآكل دورها
الطبيعي بوصفها المرجعية الأمنية الوحيدة في البلاد.
ويبقى السؤال الذي يؤلم أكثر من أي جواب:
كيف يرضى جيش وطني بأن يبقى شريكاً
قسرياً في المشهد مع ميليشيا تنازعه
على السلطة والسلاح والقرار؟
ربما نكون فعلاً الشعب الوحيد الذي
يحبّ جيشه أكثر ممّا يحبّ الجيش نفسه.
وإذا استمر هذا الواقع، فإن أخطر ما سيخسره لبنان
لن يكون فقط سيادته، بل ثقة اللبنانيين بمؤسستهم
العسكرية. لذلك، تقع على عاتق السلطة السياسية
مسؤولية تاريخية في إزالة كل العقبات التي تمنع
الجيش من أداء واجبه، سواء كانت هذه العقبات
خارج المؤسسة أو داخلها.
لقد بلغ الصبر حدّه… وطفح الكيل.


