العميد الركن مروان زاكي ((م)
عندما عبر طارق بن زياد المضيق إلى الأندلس عام 711م ، لم يكن ذلك مجرد عبور عسكري من ضفة إلى أخرى ، بل كان بداية مرحلة تاريخية غيّرت وجه أوروبا والبحر الأبيض المتوسط لقرون . فقد حملت الجيوش آنذاك مشروعاً سياسياً وعسكرياً أدى إلى نشوء واقع جديد ترك أثره في الحضارة والعلم والثقافة والسياسة .
واليوم ، وبعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً ، يبدو المشهد مختلفاً في شكله ، لكنه يطرح أسئلة مشابهة حول قوة حركة الشعوب في صناعة التاريخ . فالمضيق نفسه يشهد عبوراً متواصلاً لموجات بشرية قادمة من الجنوب نحو إسبانيا وأوروبا ، لكنها لا تحمل السيوف ولا رايات الفتح ، بل تحمل آلام الحروب ، وضغوط الفقر ، والبحث عن الأمن والكرامة ومستقبل أفضل .
لا تعني هذه المقارنة أن الحدثين متشابهان في طبيعتهما ، فالفتح العسكري يختلف جذرياً عن الهجرة الإنسانية . لكن التاريخ يعلّمنا أن التحولات الكبرى لا تصنعها الجيوش وحدها ، بل تصنعها حركة الشعوب والهجرات الواسعة التي تستطيع ، مع مرور الزمن ، أن تغيّر البنية الديموغرافية والثقافية والسياسية للمجتمعات .
لقد أصبحت أوروبا اليوم أمام معادلة دقيقة . فهي تحتاج إلى اليد العاملة في ظل الشيخوخة السكانية وتراجع معدلات الولادة ، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات الاندماج ، والحفاظ على هويتها الحضارية ، وضبط الهجرة غير المنظمة . فالمجتمعات لا تبقى ثابتة عندما تتغير تركيبتها البشرية ، والتاريخ يثبت أن حركة السكان كانت دائماً من أهم العوامل التي أعادت رسم خرائط الأمم .
ومن هنا تظهر المخاوف التي يعبّر عنها البعض من أن استمرار هذه الموجات دون معالجة جدية قد يقود ، مع الزمن ، إلى تحولات عميقة في هوية أوروبا وثقافتها ودينامياتها الاجتماعية ، حتى إن بعضهم يذهب إلى توقع تغيرات حضارية كبرى في المستقبل . لكن القضية لا تُحسم بالشعارات أو بالمخاوف وحدها ، بل بقدرة الدول على إدارة هذا التحول من خلال قوانين واضحة ، وسياسات اندماج ناجحة ، وحماية هوية المجتمع وقيمه ، مع احترام حقوق الإنسان .
أما الضفة الجنوبية للمتوسط ، فهي تتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المعادلة . فالحروب ، وضعف الدولة ، والفساد ، وغياب فرص العمل ، كلها عوامل تدفع الشباب إلى الهجرة وترك أوطانهم . لذلك فإن معالجة الهجرة لا تبدأ عند شواطئ أوروبا ، بل تبدأ من بناء دول قادرة على تأمين الأمن والعدالة والكرامة لمواطنيها .
إن التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً ، لكنه يعيد طرح دروسه بأشكال جديدة . فبالأمس عبر طارق بن زياد إلى الأندلس بجيشٍ غيّر مجرى التاريخ ، واليوم يعبر البحر آلاف البشر بلا جيوش ولا رايات ، يحملون آمالهم ومآسيهم معهم .
فالجيوش قد تفتح الحدود ، أما الشعوب فتغيّر التاريخ . والسؤال هنا ليس فقط من يعبر البحر ، بل كيف ستتعامل الدول مع هذه التحولات ، وهل ستنجح في تحويلها إلى فرصة منظمة أم تتركها تتحول إلى أزمة ترسم ملامح عصر جديد .


