العميد الركن مروان زاكي (م)
في التاريخ العسكري ، ليست كل خطوة إلى الخلف هزيمة ، وليست كل هدنة استسلاماً . أحياناً تكون استراحة المحارب هي القرار الأكثر حكمة ، لأنها تمنح فرصة لتقييم التجربة ، وإعادة ترتيب الأولويات ، وقراءة المتغيرات التي فرضها الواقع .
لقد تغيّرت الظروف الإقليمية والدولية بصورة كبيرة ، وأصبح من الواضح أن مرحلة جديدة قد بدأت . تجاهل هذه التحولات أو الاكتفاء بالمكابرة لا يغيّر الوقائع ، بل يزيد كلفة أي خيار يُتخذ .
إذا كان هناك من يرى أن خيار المقاومة سيبقى حاضراً في المستقبل ، فإن الحكمة تقتضي أن يسبقه وقفة مراجعة ، تُعاد فيها صياغة الاستراتيجية بما ينسجم مع مصلحة أبناء الوطن ورزقهم وأملاكهم ، ويحفظ الدولة ومؤسساتها ، ويجنّب المواطنين أثماناً باهظة .
ورغم فقدان القدرة على المناورة ، وتكبّد خسائر بشرية جسيمة ، وتدمير ومسح قرى بأكملها ، وتهجير السكان وتشريدهم ، واستهداف البنية التحتية ، وما رافق ذلك من معاناة إنسانية واقتصادية واسعة ، كان لا بد من قول هذه الكلمة ، علّها تجد آذاناً تسمع ، وعقولاً تتأمل ، وإرادةً تضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار . فالتاريخ لا يرحم من تجاهل الحقائق ، ولا يكافئ إلا من امتلك شجاعة المراجعة قبل فوات الأوان .
فالقوة الحقيقية ليست في تكرار الأساليب نفسها ، بل في القدرة على التكيف مع المتغيرات ، واختيار التوقيت والوسيلة اللذين يخدمان المصلحة الوطنية . وقد تكون استراحة المحارب ، في بعض المراحل ، أكثر شجاعة من الاستمرار في معركة لم تعد ظروفها كما كانت .
أم أنكم ، بكل بساطة ، لا تستطيعون الانفكاك عن الأمر الإيراني ، مهما كانت كلفة ذلك على لبنان واللبنانيين .


