العميد الركن مروان زاكي (م)
من أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس وقوع الخطأ ، بل أن يأتي يوم يصبح فيه صاحب الخطأ هو من يشرح للناس معنى الصواب .
يقول المثل الشعبي : إذا تعلّمنا الدين من الثعلب سنعتقد أن سرقة الدجاج حلال . فالثعلب لا يمكن أن يكون معلّماً للأمانة ، لأنه ينظر إلى الأمور من زاوية مصلحته الخاصة ، لا من زاوية الحق والعدل . وما يراه هو مكسب مشروع ، قد يراه الآخرون اعتداءً وظلماً .
وهنا تكمن خطورة أن نسمح لأصحاب المصالح بأن يصبحوا مرجعاً في تحديد القيم والمعايير .فالتاريخ يعلّمنا أن الفساد لا ينتشر بسبب وجود الفاسدين فقط ، بل أيضاً عندما ينجحون في تقديم أنفسهم كأصحاب حق ، وعندما تتحول التبريرات إلى ثقافة عامة .
في لبنان ، لا تكمن المشكلة في الأزمات التي مرّ بها الوطن ، بل في الطريقة التي تم التعامل بها مع هذه الأزمات . فكم من خطأ جرى تبريره تحت عنوان الظروف ، والضرورات تبيح المحظورات ، وكم من تجاوز للقانون قُدّم على أنه ضرورة ، وكم من مصلحة خاصة لبست ثوب المصلحة الوطنية .
عندما يصبح من استفاد من ضعف الدولة هو من يشرح لنا معنى السيادة ، وعندما يصبح من عاش على المحاصصة هو من يعرّف لنا معنى الشراكة ، وعندما يصبح من ساهم في تعطيل المؤسسات هو من يقدّم نفسه حامياً لها ، نكون أمام مشكلة أخطر من الفساد نفسه ، مشكلة اختلاط المفاهيم .
الدولة لا تُبنى بمنطق الثعالب ، ولا بمنطق الذئاب حيث القوي يأخذ ما يستطيع دون البحث عن مبررات لما فعل . الدولة تُبنى عندما تكون القاعدة واحدة على الجميع ، وعندما يكون القانون فوق الأشخاص ، وعندما يصبح المواطن أغلى من الزعيم ، والمؤسسة أقوى من النفوذ .
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس فقط سرقة الدجاج ، بل إقناع الدجاج بأن السرقة حق مشروع ، وأن من يعترض هو المخطئ .
لذلك ، فإن أول خطوة في إصلاح أي وطن هي استعادة القدرة على التمييز بين من يخدم الحقيقة ومن يستخدم الحقيقة لخدمة مصالحه ، وبين من يبني الدولة ومن يستفيد من غيابها .
فلا يجوز أن نترك الثعلب يعلّمنا حماية الدجاج ، ولا الذئب يحرس القطيع ، ولا الفاسد يقود معركة الإصلاح ، ولا من استفاد من خراب الدولة يدّعي بناءها . فالمصالح المتناقضة لا تنتج عدالة ، بل تعيد إنتاج الأزمة بثوب جديد ، ولا أن نجعل من المنتفعين من الفوضى معلّمين في كيفية بناء النظام .


