ليست المأساة أن يمرّ الوطن بأزمة، فالأزمات تعبرها الأمم حين تمتلك رجال دولة. أما المأساة الحقيقية، فهي أن تتحول الأزمة إلى أسلوب حكم، وأن يصبح الانهيار واقعًا يُدار بدل أن يُعالَج، حتى يعتاد الناس الألم وكأنه قدر.
على امتداد عقود، لم يتغير الكثير. تبدلت الحكومات، وتبدلت التحالفات، وتناوبت الوجوه على المقاعد نفسها، لكن المواطن بقي وحيدًا في مواجهة الجوع، والخوف، وانعدام الأمل. كان اللبناني ينتظر دولة، فوجد نفسه يبحث عن وطن.
لم يسقط لبنان لأنه فقير، ولا لأنه يفتقر إلى العقول أو الإمكانات. سقط لأن السلطة انشغلت بحماية نفسها أكثر من حماية الدولة، وبإدارة النفوذ أكثر من إدارة الوطن، حتى أصبحت المؤسسات هياكل، والقانون وجهة نظر، والعدالة حلمًا مؤجلًا.
الأخطر من الفشل، هو التعايش معه. والأخطر من الأزمة، هو أن تتحول إلى نظام حياة. حين يصبح انهيار العملة خبرًا عاديًا، وانقطاع الكهرباء تفصيلًا، وهجرة الشباب خيارًا بديهيًا، فالمشكلة لم تعد في الظروف… بل في من جعلوا من هذا الواقع أمرًا طبيعيًا.
من كان جزءًا من صناعة هذا المشهد، لا يستطيع أن يقنع اللبنانيين بأنه يحمل مفتاح الخلاص. فالأوطان لا تُبنى بالعقول التي أدارت الانهيار، ولا تُنقذ بالنهج الذي أوصلها إلى حافة الهاوية.
لبنان لا يحتاج إلى إعادة توزيع السلطة بين القوى نفسها، بل إلى استعادة معنى الدولة. دولة لا تُقاس فيها قيمة المسؤول بحجم نفوذه، بل بحجم ما يقدمه لشعبه. دولة يكون فيها القانون أقوى من أي زعيم، والمؤسسات أقوى من أي حزب، والمواطن أغلى من أي مكسب سياسي.
أما اللبنانيون، فقد آن الأوان أن يتحرروا من وهم الزعيم الذي لا يخطئ، وأن يدركوا أن صناديق الاقتراع لا تُستخدم لتجديد الولاءات، بل لتجديد الدولة. فكل صوت يُمنح لمن أثبت فشله، ليس مجرد خيار سياسي، بل مساهمة في إطالة عمر الأزمة.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، وفي الرؤى، وفي الخيارات، لكنهم يجتمعون على حقيقة واحدة: هذا الوطن يستحق أفضل ممن حكمه، وأفضل ممن أوصله إلى ما هو عليه.
فالدول لا تموت حين تخسر المال… بل حين تخسر رجال الدولة.


