في مساءٍ بيروتي مزدحم، وبينما كنتُ أصطحب الأبناء في شارع المنارة، طلبتُ فنجان قهوة من أحد المقاهي الجوالة، وقررت أن أرافقه بسيجارة.
عثرتُ على واحدةٍ في علبةٍ مهملة، لكن ما كان ينقصني هو ولاعة.
بدأتُ، كلما توقفت بمحاذاة سيارة وسط الزحمة، أسأل أصحابها إن كانت معهم ولاعة، لكن من دون جدوى.
وحين وصلتُ إلى منطقة الروشة، رأيت بائع كعك يسير إلى جانب دراجته الهوائية، يدفعها ببطء كأنها شريكته في التعب اليومي.
سألته:
“هل أجد معك ولاعة؟”
فأجابني فوراً، ومن دون تردد:
“نعم… خذها، هي لك.”
كانت جملته بسيطة، لكنها تركت في نفسي أثراً عميقاً. دفعتني مبادرته لأن أشتري منه كعكتين وأترك له الباقي، فالإحسان لا يُقابل إلا بالإحسان.
ربما لا يملك هذا الرجل سوى دراجته وما كتبه الله له من أرغفة الكعك القليلة، وربما كانت تلك الولاعة، على بساطتها، وسيلته الوحيدة لإشعال سيجارته في يومٍ طويل من التعب.
ومع ذلك، لم يفكر مرتين قبل أن يمنحني إياها، وأنا الغريب عنه تماماً.
حينها أدركت أن الكرم لا يحتاج إلى ثروة كي يُعبّر عن نفسه، وأن بعض النفوس تكشف عظمتها في أصغر الأشياء. فهناك من يملك الكثير ويبخل بالقليل، وهناك من لا يملك إلا القليل، لكنه يمنحه بمحبةٍ ورضا.
أخذتُ نفحةً من السيجارة، وراقبته يتابع طريقه صعوداً، يدفع دراجته باحثاً عن رزقه، عن كفاف يومه، عن لقمةٍ مغموسة بالتعب والعرق والشكوى الصامتة. كانت الحياة تبدو قاسية على ملامحه، لكن روحه بقيت كريمة، تعبّر عن نفسها بما تملك، ولو بولاعة سيجارة.


