أصدقاء العميد ريمون اده،
لا نستذكر رجلاً عادياً في سجل السياسة اللبنانية، بل نستحضر زمناً كان فيه في لبنان رجال دولة… لا رجال مصالح، رجال رؤية… لا رجال صفقات.
رحل ريمون إده، وبقي لبنان يتيماً يبحث عن ضميرٍ يشبهه.
كان يرى ما لا يراه الآخرون، ويقرأ خلف الكلمات خرائط المؤامرات التي كانت تُرسم لهذا الوطن الصغير. حذّر من السلاح حين كان التصفيق له خيانة للعقل، وحذّر من الارتهان للخارج حين كان كثيرون يبيعون البلاد على موائد النفوذ. رأى باكراً أن لبنان يُدفع نحو التفكك، وأن الطائفية إذا تحوّلت تجارةً سياسية ستلتهم الدولة قطعةً قطعة، حتى يصبح الوطن مجرد ساحة يتنازعها الجميع… إلا أبناؤه.
كان يعرف أن السيادة ليست شعاراً، بل كرامة شعب. وأن الدولة لا تُبنى بالخوف، بل بالقانون. وأن الوطن الذي لا يحكمه العدل، تحكمه الميليشيات والصفقات والخراب.
واليوم، بعد سنوات طويلة على رحيله، نقف أمام وطنٍ أنهكته التسويات، وأذلّه الفساد، وسُرقت أحلام شبابه، حتى صار اللبناني يشعر كالغريب في بلده.
كم كان موجعاً أن يثبت الزمن أن ذلك الرجل كان يرى الحقيقة قبل الجميع… بينما كان كثيرون يسخرون من صراحته ونظافته وعناده الوطني.
لقد خسر لبنان يوم رحل رجالاً من طينته.
رجال لا يبدّلون مواقفهم مع تبدّل المصالح، ولا يبيعون ضمائرهم مقابل سلطة عابرة. رجال كانوا يختلفون سياسياً، لكنهم لا يساومون على الوطن.
في زمن الانهيار الأخلاقي والسياسي، نحتاج إلى إعادة قراءة مدرسة ريمون إده.
نحتاج أن يتعلّم الشباب أن السياسة ليست كذباً وفوضى وتحريضاً، بل مشروع وطن.
أن الزعامة ليست وراثة أسماء، بل وراثة مبادئ.
وأن بناء لبنان الحديث يبدأ من مواطن حرّ، شجاع، نظيف الكف، يؤمن بالدولة قبل الطائفة، وبالحق قبل الزعيم.
أيها الشباب،
إن أردتم وطناً يشبه أحلامكم، فابحثوا في سيرة الرجال الذين رفضوا بيع لبنان حين كان البيع مربحاً.
تمثّلوا برجال الدولة الحقيقيين، لا بأبطال الشاشات والغرائز.
فالأوطان لا يبنيها الأقوياء بالسلاح… بل الأقوياء بالحق.
رحم الله ريمون إده…
الرجل الذي سبق عصره، فبدا غريباً بينهم،
ثم أثبتت الأيام أنه كان الأكثر حباً للبنان… والأكثر صدقاً معه


