العميد الركن مروان زاكي (م)
في مسألة تشكيل الوفد المفاوض في لبنان ، يتكرر مشهد بات مألوفاً . انتظار تسمية ممثلي الطوائف قبل الوصول إلى قرار التشكيل ، وكأن الدولة عاجزة عن التحرّك قبل اكتمال سلسلة الموافقات الطائفية ، حتى في ملف يُفترض أنه من صميم السيادة الوطنية .
إن تشكيل وفد على قاعدة المحاصصة الطائفية ، بالصيغة المعتمدة اليوم ، يعني عملياً البقاء في مرحلة ما قبل التفاوض . فالوقت يُستهلك في هندسة التمثيل والشروط ، بدل الدخول في جوهر المهمة . وهكذا تتحوّل الآلية من وسيلة لتنظيم القرار إلى سبب مباشر لتعطيله ، لأن القرار نفسه يصبح مبعثراً بين المرجعيات والحسابات المتناقضة .
لماذا لا يكون معيار الاختيار هو الكفاءة وحدها ، بعيداً عن الانتماءات؟ ولماذا لا يُعتمد الأكثر خبرة وقدرة على التفاوض ، بدل إدخال الدولة في دوامة انتظار لا تنتهي؟
المسؤولية هنا تقع أولاً على السلطة التنفيذية ، وتحديداً على رئيس الجمهورية ، بوصفه الجهة المخوّلة دستورياً وسياسياً بحسم هذا الملف . فالعهد يملك القرار النهائي ، وهو الأدرى بالكفاءات القادرة على إدارة ملفات بهذا التعقيد ، بعيداً عن حسابات الترضية أو انتظار الاسم الطائفي من كل جهة .
إن رهن تشكيل الوفد بموافقات المرجعيات الطائفية لا يُضعف فقط معيار الكفاءة ، بل يفتح الباب أمام شلل كامل ، بحيث نعجز حتى عن تشكيل وفد متماسك ، إذا طال الانتظار أو تعثّرت التسميات . وهنا تكمن المفارقة . ما يُفترض أنه ضمانة للتوازن يتحوّل إلى أداة تعطيل للدولة نفسها .
فليكن القرار واضحاً . الكفاءة أولاً . تُختار الشخصيات القادرة على التفاوض وإدارة الملف ، ثم يُنظَّم العمل داخل الوفد على أساس مؤسساتي ، لا على اساس تقاسم الحصص .
الدولة لا تُدار بالانتظار ، بل بالقرار . ولا يمكن لأي عهد أن يستعيد هيبة المؤسسات إذا بقي أسير آلية تُعلّق المصلحة الوطنية على أبواب التوافق الطائفي . القرار في النهاية قرار السلطة ، والمسؤولية مسؤوليتها ، واللحظة تحتاج إلى حسم يعيد الاعتبار لمعيار واحد . الدولة أولاً ، والكفاءة قبل كل شيء .


