العميد الركن مروان زاكي (م)
في لبنان ، يسهل علينا أن نرفع الإصبع نحو الخارج كلما اشتدّت الأزمات . ونُقنع أنفسنا أن ما نعيشه ليس إلا مخططاً يُنفّذ بأدوات لبنانية . هذا التفسير مريح ، لأنه يعفينا من مواجهة السؤال الأصعب . ماذا عن دورنا نحن؟
لا شك أن إسرائيل ، كما غيرها من القوى الإقليمية ، استفادت من الانقسامات اللبنانية ، وحاولت في مراحل مختلفة الاستثمار فيها ، خصوصاً خلال الحرب الأهلية اللبنانية . لكن الاستفادة شيء ، وصناعة الواقع من الصفر شيء آخر . الحقيقة الأقرب إلى الواقع أن الانقسام اللبناني سابق لأي تدخل ، وهو الذي يفتح الباب لكل تدخل .
لبنان لم يسقط فجأة في الفوضى . هو تراكم طويل لنظام قام على التوازن بدل الدولة ، وعلى الطائفة بدل المواطنة ، وعلى التسويات المؤقتة بدل الحلول الجذرية . في ظل هذا الواقع ، يصبح الخارج لاعباً ، لا لأنه قوي فقط ، بل لأن الداخل هشّ . من هنا ، لا يمكن فهم ما يجري اليوم من دون الاعتراف بأن المشكلة تبدأ من بنية النظام نفسه .
المفارقة أن كل فريق لبناني يتهم الآخر بالارتهان للخارج ، فيما الجميع ، بشكل أو بآخر ، وقع في فخ الاستقواء بالخارج . مرة باسم الحماية ، ومرة باسم التوازن ، ومرة باسم المقاومة ، ومرة باسم الشرعية . وفي النتيجة ، ضاعت الدولة بين هذه العناوين ، وتحولت إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح بدل أن تكون مرجعية لها .
لا يمكن إنكار أن إيران وسوريا والفلسطينيون لعبوا أدواراً مؤثرة في لبنان ، كما فعلت إسرائيل . لكن السؤال ليس من تدخل ، بل لماذا استطاع أن يتدخل؟ الجواب واضح . لأننا لم نبنِ دولة قادرة ، بل نظاماً قابلاً للاختراق .
المشكلة اليوم لم تعد في تشخيص المؤامرة ، بل في استمرار العقلية التي تنتجها . فطالما أن الانقسام هو القاعدة ، وأن الولاء للطائفة يسبق الولاء للوطن ، فإن أي مشروع خارجي سيجد له مكاناً . عندها ، لا نكون ضحية فقط ، بل شركاء في إنتاج الأزمة .
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من تبادل الاتهامات ، بل إلى إعادة تعريف نفسه دولة واحدة ، قرار واحد ، ومؤسسات لا تُدار بمنطق الغلبة ولا بمنطق الحصص . دون ذلك ، سنبقى ندور في الحلقة نفسها ، نبدّل العناوين ونحافظ على الجوهر .
قد يكون الخارج يتمنى هذا الواقع…
لكن الحقيقة المؤلمة أننا نحن من يصنعه .


