العميد الركن الطيار اندره بومعشر
من الرفض الظاهري إلى رفع سقف التفاوض
بعد تسريب تفاصيل المقترح الإيراني وما تلاه من تعليق الرئيس ترامب بعدم الرضا، يتضح أن المسار لم يعد يدور حول مبدأ الاتفاق، بل حول شروطه. فالرفض لا يعني إغلاق الباب، بل يعكس محاولة رفع السقف التفاوضي وإعادة التموضع قبل لحظة الحسم. المقترح الإيراني يشكّل أرضية أولية، لكنه لا يزال دون المستوى المطلوب أميركيًا في الملفات الحساسة.
بناء الثقة كمدخل إلزامي لأي تسوية
نجاح أي مسار تفاوضي في ظل الحرب يتطلب إجراءات أولية لبناء الثقة، تبدأ بوقف إطلاق نار قابل للتحقق، ومرجعية دولية ضامنة، وآلية لمعالجة الخروقات، وتعهدات بعدم التصعيد. هذه البنود ليست تفصيلًا تقنيًا، بل شرطًا تأسيسيًا يسمح بالانتقال إلى مراحل أكثر تعقيدًا.
منطق المقايضة: الكلفة مقابل المكسب
تتمثل الشروط الأكثر واقعية في فتح مضيق هرمز تدريجيًا، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية بصورة متزامنة، وتجميد التخصيب لفترة طويلة، ومعالجة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، مقابل رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن الأموال. هذه البنود تعكس جوهر أي تفاوض فعّال: تقديم تنازلات متبادلة ضمن توازن محسوب للكلفة والمكاسب.
شروط قابلة للتكيّف وإعادة الصياغة
بعض البنود، مثل التعهد بعدم الاعتداء، وتشكيل مرجعية دولية، والحوار الإقليمي، تحمل أهمية استراتيجية لكنها تحتاج إلى إعادة صياغة لتصبح قابلة للقبول. فهذه الشروط تمس التوازنات السياسية والأمنية، ما يفرض تقديمها بصيغ مرنة تتيح لكل طرف الحفاظ على هامش مناورة.
حدود القبول: حيث تبدأ الخطوط الحمر
تبقى بعض الشروط خارج نطاق القبول الأميركي بصيغتها الحالية، مثل شمول حلفاء إيران وإسرائيل بتعهد عدم الاعتداء، وانسحاب القوات الأميركية من محيط إيران، ورفض تفكيك البنية النووية دون ضمانات مشددة. هذه البنود تتجاوز التفاوض التقني لتلامس إعادة رسم التوازن الإقليمي، وهو ما يجعلها موضع صدام مباشر.
التدرج بدل الحسم: ملامح الاتفاق الممكن
الاتفاق المرجح لن يكون شاملًا ونهائيًا، بل مرحليًا ومتدرجًا. يبدأ بإجراءات بناء الثقة، ثم تبادل تدريجي بين فتح هرمز ورفع الحصار، يليه معالجة الملف النووي، مع تأجيل القضايا الأكثر حساسية إلى مراحل لاحقة. هذا النمط يعكس إدراكًا بأن الحسم الكامل غير ممكن في المرحلة الحالية.
لحظة التفاصيل: حين تشتد المنافسة داخل الاتفاق
تشير المؤشرات إلى أن الإطار العام للاتفاق قد تبلور، وأن الصراع الحالي يتمحور حول التفاصيل. وهذا يفسر التصعيد المتزامن مع التفاوض، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه قبل تثبيت الاتفاق. في هذه المرحلة، تتحول الكلفة إلى أداة ضغط تفاوضية بحد ذاتها.
إدارة الصراع عبر التفاوض: لا نهاية بل إعادة تنظيم
تعليق ترامب بعدم الرضا لا يعكس رفضًا نهائيًا، بل يعكس طبيعة المرحلة. المقترح الإيراني يفتح الباب، لكنه لا يغلقه. وما يجري هو إدارة دقيقة للصراع عبر التفاوض، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب ضمن حدود الكلفة المقبولة.
الخلاصة هي ان ما يجري اليوم ليس تفاوضًا على الاتفاق، بل تفاوض على شروط الخروج من الحرب.


