العميد الركن مروان زاكي(م)
الخبرية ، سواء كانت دقيقة أو مبالغاً فيها ، تستحق التوقف . أن يُقال إن تلميذاً يراسل جهة معادية ليبلّغ عن أمر داخل مدرسته ، ليس تفصيلاً بسيطاً .
لكن قبل القفز إلى الاستنتاجات ، يجب التذكير أن مصدر الرواية هو أفيخاي أدرعي ، وهذا بحد ذاته يفرض الحذر ، لأن جزءاً من المعركة اليوم هو معركة رواية وصورة وتأثير .
لكن ، بعيداً عن صحة الحادثة ، الفكرة التي أثارتها حقيقية .
نحن أمام جيل مختلف .
في زمننا ، لم يكن الأمر فقط رفضاً لإسرائيل ، بل كان هناك حاجز نفسي كامل . الاسم لا يُقال ، والتواصل خيانة ، والفكرة نفسها مرفوضة من أساسها . لم يكن ذلك بالضرورة وعياً سياسياً عميقاً ، بقدر ما هو نتيجة بيئة واضحة ، وتربية صارمة وخطاب واحد ، وحدود مرسومة .
اليوم… كل هذه الحدود سقطت .
الهاتف في يد كل تلميذ ، والعالم مفتوح بلا ضوابط ، والتواصل مع أي جهة بات مسألة ثوان . المشكلة ليست أن هذا الجيل يطبّع أو يخون ، بل أنه يعيش في واقع بلا تعريفات ثابتة .
جيل يتلقى مئة رواية في اليوم ، ولا يجد رواية واحدة مقنعة .
جيل يرى التناقض بين الخطاب والممارسة ، بين ما يُقال له وما يراه في الواقع .
جيل لم يعد يخاف من الكلمة ، لأنه لم يعد يثق بمعناها .
وهنا الخطر الحقيقي .
ليس في رسالة ، بل في غياب المرجعية .
حين تغيب الدولة ، ويضيع تعريف المصلحة الوطنية ، ويتحول كل شيء إلى وجهة نظر ، يصبح أي تصرف فردي ممكناً ، حتى لو كان خاطئاً أو ساذجاً .
المشكلة لم تعد في الجيل ، بل في الفراغ الذي تُرك له .
بين جيل كان يصمت ، وجيل يراسل ، لا يمكن الاكتفاء بالحنين أو الاتهام .
لكن من يملأ هذا الفراغ؟
لأن الأجيال لا تتبدل من تلقاء نفسها ، بل تتبدل حين يتبدل ما حولها… أو حين يختفي .


