ينتمي الى عائلة حقوقية بامتياز. فوالده المرحوم مارون سعادة، كان كاتباً بالعدل، وكانوا يزورونه في مكتبه، حتى اذا خُيّر وشقيقه المحامي عدلي وشقيقته المحامية نهى الدخول الى الجامعة، قرروا دراسة الحقوق في الجامعة اليسوعية، وانتسبوا الى نقابة المحامين في بيروت. وامتد هذا الامر الى قسم كبير من العائلة ومنهم ابنة شقيقه سمير المحامية امل زوجة المحامي غابي كرم، وابن شقيقته نهى زوجة المحامي المرحوم سليم كرم، المحامي عادل وشقيقته المحامية ميرنا.

انه المحامي الدكتور جوزيف مارون سعادة، الذي رحل البارحة، وكأنه رحيل الحياة. محام لامع وقيمة علمية وقانونية، وقامة وطنية شامخة. مارس المحاماة بين لبنان وفرنسا. وكان وكيلاً لعدة شركات وشخصيات، ولوزارة الدفاع الفرنسية. طلب مني قراءة عدة لوائح ومذكرات له باللغة الفرنسية. لم اصدق ما اقرأه. مستوى علمي رائع، واجتهادات وفقه، وتصلح كل لائحة لان تشكل كتاباً حول الموضوع الذي يعالجه.
كان المرحوم جوزيف متواضعاً، ينتقي اصدقاءه. لا يصادق من لا يرتاح اليه، وهو الذي يميز الصديق الصدوق من الصديق المتزلق. كنا نلتقي في طبرجا بيتش. ويتنافس مع صهره المعروف بآدميته وبكرمه المحامي المرحوم سليم كرم على استضافتي على مائدة الغداء بعد ان نمارس رياضة المشي لعدة ساعات. كيف لا وصهره المرحوم سليم سبق وتبرع بقطعة ارض لنقابة المحامين في قناة باكيش – بسكنتا.
ومع جديته المعروفة في العمل والحياة الاجتماعية، كان خفيف الظل. يتمتع بروح النكتة السريعة. روى لنا انه التقى مرة صديقه المحامي سمير شبلي وسأله عن اعماله وما اذا كان يتعب ام لا، وان السفر امر مهم لان الانسان ينسى جميع مشاكله. واردف المحامي سعادة قائلا:”انه سافر منذ عدة ايام الى اسبانيا وزار المنطقة الفلانية وغاب عن ذهنه اسم منطقة من المناطق التي لم يستطيع ان يتذكر اسمها. فسأل الاستاذ سمير قائلا:
- هل زرت المنطقة الجبلية المحاذية للمنطقة الفلانية في اسبانيا؟
- فأجابه الاستاذ شبلي فوراً:
- من كل عقلك يا استاذ جوزيف عم تسألني اذا ذهبت الى اسبانيا؟،
انا اذا اجتزت بلدة الحازمية باتجاه اليرزة احلف بغربتي.
كما روى لنا انه قبل موت الملك الاسباني فرنكو احتشدت الجماهير امام قصره. وكان فرنكو يغيب عن الوعي ويستفيق. وعندما استفاق في احدى المرات من الغيبوبة سأل مرافقيه عن سبب احتشاد الجماهير في الخارج فقالوا له انهم جاؤوا ليودعوه. فسألهم:
- ليش لوين رايحين كلهم؟.
وكان ينتقد من يحاول القاء اللوم والمسؤولية على الآخرين. وروى لنا خبرية شخص اسمه حنا من جونية الذي طلب من احد المسؤولين وظيفة. فتوسط له ليكون ناطورا ليليا على مرفأ جونية لمراقبة اساطيل العدو في الحرب العالمية الثانية، ومااذا كانت ستتجه ناحية مرفأ جونية. فكان حنا يحضر فرشة صغيرة ينام عليها ليلا ويذهب نهارا، الى ان حضر احد المفتشين فوجده بهذه الوضعية فأحيل الى المحكمة العسكرية حيث وقف المدعى العام قائلا:
- ان مهمة حنا مراقبة اساطيل العدو التي من الممكن ان تصل الى جونية. فاذا وصلتها اصبح بإمكانها الوصول الى بيروت، ومنها الى بقية الدول المجاورة ثم الى اوروبا ومنها الى جميع دول الحلفاء مما يشكل خطرا جسيما على تلك الدول التي سوف تخسر الحرب حتما…
- – فرفع حنا يده واستوقفه قائلا:
- بدك تقللي انو كل الحرب وخسارة الحلفاء متوقفة على حنا؟
اليوم تودع بلدة فالوغا ابنها البار المحامي الدكتور جوزيف سعادة، وسط دموع وحزن الاهل والاصدقاء. ويعود الى الارض التي انطلق منها وعاد اليها ليرقد فيها بسلام المؤمنين


