الاستشهاد فعل واعٍ يُفترض أن يترك أثراً يحمي الناس وكرامتهم . وإلا يتحول الأمر إلى استهلاك للحياة بدل أن يكون تضحية حقيقية .
الشهادة ليست شعوراً عاطفياً أو قراراً لحظياً ، بل هي وضوح في الهدف ، نتيجته أثر ملموس . لكن الإشكال يكون عندما لا يخدم هذا الأثر حماية الناس أو تحسين واقعهم ، بل يقود إلى نتائج سلبية . عندها يفقد الفعل توازنه الأخلاقي .
وفي هذا السياق ، مع التقدير لكل مقاوم يدافع عن أرضه وكرامته في وجه الاحتلال أو العدوان ، يبقى من المهم أن يكون القرار مبنياً على وعي وحساب ، لا على اندفاع مفتوح أو استنزاف بلا نهاية . فالقضية ليست في أصل الفعل ، بل في إدارته ، وفي ما إذا كان يخدم الناس فعلاً أو يطيل معاناتهم .
إن قيمة الشهادة لا تُقاس بصدق النية ، بل بمكان توظيفها . يجب أن تُصرف في موقعها الصحيح ، حيث تحقق أثراً يحمي الناس وكرامتهم ، لا أن تُستهلك في أتون صراعٍ مفتوح يفقدها معناها ونتيجتها .
إن أي عمل مقاوم ، كما أي فعل في حياة الشعوب ، لا يُقاس بالنية ، بل بقدرته على تحقيق نتيجة واقعية . فالتاريخ مليء بتجارب بدأت بشعارات كبيرة ثم انتهت إلى استنزاف طويل حين غاب تقدير الموقف .
الدفع بالناس إلى المخاطر ، عندما لا يكون خياراً واعياً ، بل نتيجة ضغوط أو حسابات خارجية ، وهنا نميز بين التضحية و الإستنزاف .
لأن تحويل الإنسان إلى أداة في صراع مستمر ، من دون نتيجة واضحة ، يجعل الخسارة هي الثابت الوحيد .
المشكلة ليست في الإيمان أو في مفهوم الشهادة ، بل في استخدامه . فالشهادة تعني حياة تُحمى وكرامة تُصان وهدفاً يُقترب منه . أما حين يُطلب من الناس دفع حياتهم بلا أثر واضح ، فإن الفعل يبتعد عن معناه .
حزب الله اليوم بحاجة إلى إعادة التقييم في هذا التوازن : بين التضحية والنتيجة ، وبين قيمة الإنسان وتحويله إلى رقم في صراع مفتوح . فليست الكرامة في كثرة التضحيات ، بل في منع هدرها وتوجيهها نحو نتائج تحفظ الحياة .
إن أي مشروع لا يضع حدّاً أدنى من النتيجة أمام حجم الدم ، يفتقد توازنه الأخلاقي مهما كانت شعاراته .
بين الاستشهاد والعبث مسافة دقيقة :
الأول له معنى ونتيجة ،
والثاني فقدهما معاً


