المشكلة في لبنان ليست فقط في سعر الصرف، بل في الخلل البنيوي العميق في الاقتصاد نفسه.
نحن أمام اقتصاد يعتمد بنحو ٨٥% على الاستيراد، واقتصاد استهلاكي بامتياز، أي اقتصاد مدمن على الدولار كي يعيش ويستمر. من هنا، فإن تثبيت سعر الصرف لوقت طويل لا يعالج المرض، بل يخفيه مؤقتاً.
فعندما يكون البلد بهذه الدرجة من الارتهان للعملة الصعبة، يصبح الخطر الحقيقي على المدى المتوسط والطويل ليس فقط في اهتزاز الليرة، بل في شح الدولار نفسه. لأن تراجع الليرة، رغم كلفته الكبيرة، يبقى في كثير من الأحيان انعكاساً لاختلال قائم، أما نزيف الدولار فيعني خنق اقتصاد كامل يحتاج إلى العملة الصعبة لتمويل الاستيراد والطاقة والدواء والغذاء وكل مفاصل الاستهلاك والإنتاج.
ولهذا، عند أول اهتزاز كبير مع اندلاع الحرب، انكشفت هشاشة هذا النموذج سريعاً: تراجعت السيولة الأجنبية، وانخفضت قدرة جمع الدولارات، وعاد شبح العجز الخارجي إلى الواجهة.
هنا تحديداً يعود درس ٢٠١٩: المشكلة لم تكن يوماً في رقم سعر الصرف بحد ذاته، بل في تفاقم العجز التوأمي وفي اقتصاد يستهلك من الخارج أكثر بكثير مما ينتج، ويحتاج باستمرار إلى تدفقات دولارية ليؤجل الانفجار. لذلك، فإن النقاش الجدي اليوم يجب ألا يقتصر على كيفية حماية الليرة شكلياً، بل على كيفية حماية مخزون الدولار نفسه، لأن اقتصاداً مثل لبنان قد يحتمل بعض اهتزاز العملة، لكنه لا يحتمل طويلاً انقطاع الأوكسيجين الدولاري الذي يتنفس منه.


