بقلم : الهيدروجيولوجي د. سمير زعاطيطي

في أعلى هذه الجغرافيا الحساسة، يقف جبل الشيخ (حرمون) كأحد أهم خزانات المياه العذبة في المنطقة، حيث تبدأ دورة الحياة من الثلوج وتنتهي في ينابيع وأنهار يعتمد عليها آلاف السكان. لكن ما يجري اليوم فوق هذه المرتفعات لم يعد مجرد وجود عسكري عابر، بل تحوّل إلى واقع خطير، حيث تسهم الأنشطة العسكرية الإسرائيلية بشكل مباشر في تلويث واحدة من أكثر البيئات حساسية وأهمية مائية في المشرق.
في بيئة كارستية شديدة الهشاشة مثل حرمون، لا يبقى التلوث على السطح، بل يتسلل سريعًا إلى باطن الأرض حيث تتغذى الخزانات الجوفية. وهذا يعني أن أي تسرب ناتج عن الوقود، أو مخلفات عسكرية، أو استخدام أسلحة ومواد ذات أثر بيئي ملوث من قبل الجيش الإسرائيلي، يتحول مباشرة إلى تهديد فعلي للمياه نفسها. إن طبيعة هذه المنطقة لا تحتمل هذا النوع من الانتهاك، لأن كل ما يُسكب فوقها يجد طريقه دون عوائق إلى المياه التي تُستخدم للشرب والزراعة

لا يتوقف الضرر عند حدود التلوث الكيميائي، بل يمتد إلى تدمير الغطاء النباتي نتيجة الحركة العسكرية الإسرائيلية المكثفة، ما يؤدي إلى تسريع انجراف التربة وفقدان الأرض لقدرتها الطبيعية على امتصاص المياه وتنقيتها. ومع استمرار هذا الواقع، تتحول منطقة تغذية المياه إلى بيئة مستنزفة، تتراكم فيها الأضرار بصمت، لكنها تمتد لاحقًا إلى كل مصدر ماء مرتبط بها. هذا النوع من السلوك لا يمكن فصله عن كونه انتهاكًا واضحًا للمعايير البيئية الدولية التي تفرض حماية الموارد الطبيعية، حتى في ظروف النزاعات.



