في اوائل الثمانيات، وكنت لا ازال محامياً متدرجاً، طلب مني المحامي المرحوم اوغست باخوس، وكان نائباً عن المتن، ان احضر لقاء يجمعه مع عدد من افراد عائلة معروفة. وخلال الاجتماع بدأ كبير العائلة يشكي همومه وهموم العائلة، باللغة الفرنسية، وان هناك من يضيق عليه، وكلما اراد القيام بأي تعديل في منزله يحضر من يمنعه تحت ستار مخالفة القانون والانظمة، مع انه استحصل على ترخيص بعد عودته من فرنسا. وان جميع افراد العائلة وهم بالمئات، مقيمون في الخارج، ولا يحضر قسم منهم الى لبنان إلا في المناسبات.
وبعد الانتهاء من العرض، توجه اليهم النائب باخوس بالقول: كانت عائلتكم من العائلات المعروفة بأصالتها وبتاريخها، وكنتم تتولون مناصب ومراكز حساسة، ولديكم الثروات الطائلة، ومعروفون بعلمكم ونزاهتكم ووطنيتكم. إلا انكم اخترتم الابتعاد والانسحاب من الشأن العام، وتركتم فراغاً على الساحة. فتقدم الى الواجهة بعض من لا يملك المؤهلات الكافية، والقدرة على الادارة. لان الفراغ لا يبقى فراغاً، ويستفيد من يكون حاضراً لتعبئته، وان كان لا يملك الخبرة والحكمة وبعد النظر. فندخل في القرارات المرتجلة والادارة الفاسدة المنعدمة الخبرة، والاستقواء، وندخل في المجهول: لا رؤية، ولا افق واضح ولا استراتيجية صحيحة.
نقطة دقيقة وحساسة. عندما يبتعد اصحاب الخبرة والحكمة وبعد النظر عن تولي المسؤولية، بسبب هيمنة فئات على المجتمع، كالاحزاب مثلاً التي تفرض محازبيها في السياسة والادارة والنقابات، كما والجمعيات الخيرية التي ليست كلها خيرية، وباتت في موقع النفوذ ان لجهة عدد افرادها او لجهة جمع الاموال الطائلة، واستعمالها في السياسة وغير السياسة. ام يعود السبب الى تعب البعض او قرفهم من الاجواء. فيفضلون الابتعاد على اساس انهم قاموا بواجباتهم يوم كانوا في موقع المسؤولية. والنتيجة: تتم تعبئة هذا الفراغ ممن لا يملكون المؤهلات، فيسيطرون على المرافق، ويصدرون المواقف الفارغة، والقرارات العشوائية، ويتصرفون احياناً إستناداً الى جوع مزمن بعد وضع يدهم على المقدرات، ويحيطون انفسهم بأصحاب المصالح، والعطش الى الظهور. والنتيجة: تقهقر وتراجع، وهدم ما سبق بنيانه. فهل من يتعظ؟.


