العميد الركن مروان زاكي(م)
لم تعد المعارك اليوم تُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم السلاح ، بل بقدرة كل طرف على الاختراق وجمع المعلومات . ما كان يُسمّى سابقاً خرقاً استعلامياً كمكمّل للمعركة ، تحوّل تدريجياً إلى عنصر حاسم فيها ، حتى بات في كثير من الأحيان هو المعركة نفسها .
في الحروب التقليدية ، كانت المواجهة تبدأ على الأرض . اليوم ، تبدأ قبل ذلك بكثير : في الاتصالات ، في الشبكات ، في التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة لكنها تكشف كل شيء . الطرف الذي ينجح في معرفة نوايا خصمه ، تحركاته ، نقاط ضعفه ، يكون قد قطع نصف الطريق نحو الحسم ، من دون إطلاق رصاصة واحدة .
هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ . تطور التكنولوجيا ، وتداخل الأمني بالعسكري ، جعلا من المعلومة سلاحاً قائماً بذاته . لم يعد السؤال : من يملك القوة الأكبر؟ بل : من يملك المعرفة الأدق؟ لأن دقة المعلومة تختصر الوقت ، وتخفف الكلفة ، وتمنح القدرة على ضرب الهدف في اللحظة المناسبة .
في منطقتنا ، حيث الصراعات مفتوحة ومعقّدة ، يظهر هذا الواقع بوضوح . كثير من الأحداث التي تبدو مفاجئة للرأي العام ، تكون في الحقيقة نتيجة عمل استعلامي طويل ، صامت ، ومتراكم . وعندما تنكشف نتائجه ، يتبيّن أن ما جرى على الأرض لم يكن سوى ترجمة لما جُمع مسبقاً من معلومات .
المشكلة أن بعض الأطراف لا تزال تتعامل مع هذا البعد باستخفاف ، وكأن المعركة ما زالت تُدار بعقلية قديمة . هنا يكمن الخلل . لأن من لا يحصّن نفسه معلوماتياً ، يصبح مكشوفاً ، حتى لو امتلك القوة . ومن يُخترق ، يفقد القدرة على المبادرة ، ويتحوّل دائماً إلى ردّ فعل .
الخلاصة بسيطة لكنها قاسية : في زمننا هذا ، من يخسر معركة المعلومات ، يخسر المعركة كلها . أما من يتفوّق فيها ، فقد لا يحتاج إلى معركة أصلاً .


