لا شك في أن الذكاء الإصطناعي أحدث ثورة حقيقية غيرت وجه الحياة في مجالات الطب والهندسة والقانون والتعليم والإعلام والبحث العلمي، وهو أداة هائلة إذا سخرت في خدمة الإنسان والمعرفة، ويمكن أن توفر الوقت والجهد وتفتح أبواباً واسعة أمام التطور، إلا أن إستخدام الذكاء الإصطناعي في غير محله يشكل مدخلاً للإستغلال وسؤ التوظيف.
في لبنان، بدأنا نشهد إستخداماً مقلقاً لهذه التقنية في إنتاج صور وفيديوهات وتسجيلات صوتية ومقالات مفبركة، لا بقصد المعرفة أو النقد، وإنما بقصد السخرية الجارحة والتشهير والقدح والذم والنيل من الكرامات والأعراض، والأخطر من ذلك التطاول المتزايد على أركان الدولة والأحزاب والمرجعيات السياسية والدينية والشخصيات العامة بصورة تتجاوز النقد المشروع، حتى وصل الأمر إلى إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والدينية.
إن إنتقاد حزب أو مسؤول أو مرجعية سياسية أو دينية حق من حقوق التعبير ما دام يمارس في إطار القانون والأصول الأخلاقية. أما إختلاق الوقائع وتركيب الصور والأصوات وفبركة الفيديوهات المقززة ونسب أقوال أو أفعال إلى أشخاص لم تصدر عنهم، ثم نشرها بقصد التشهير أو التحريض أو على سبيل المزاح، فليس نقداً ولا حرية تعبير، بل قد يشكل أفعالاً تترتب عليها مسؤولية قانونية بحسب طبيعة المحتوى والضرر والنية والظروف المحيطة به.
ولا يستطيع من يرتكب هذا الفعل أن يتذرع بأن الذكاء الإصطناعي هو الذي صنع المادة. فالآلة لا تتحمل المسؤولية، لأن المسؤولية تقع على الإنسان الذي قرر إستخدامها وعلى من يساهم وفقاً للقانون في نشر المحتوى غير المشروع وترويجه كما نصت عليه المادة 209 من قانون العقوبات معتبراً من وسائل النشر “الوسائل الإلكترونية”، بما يرتب المسؤولية القانونية عن المحتوى المنشور متى توافرت شروط الجريمة.
بيد أن الخطورة في لبنان مضاعفة، لأن خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والمذهبي لا يبقى مجرد مادة على شاشة هاتف، فقد يتحول في لحظة إلى توتر في الشارع لا سمح الله، أو إعتداء أو خصومة أو إنتقام أو تعميق للإنقسامات والإصطفافات.
من هنا، فإن الدولة مدعوة إلى التعامل مع هذه الظاهرة بجدية من خلال تطوير التشريعات والوسائل التقنية القادرة على كشف التزييف، وملاحقة الأفعال التي تنتهك الكرامات وتحرض على الكراهية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير والنقد السياسي المشروع.
فالحرية لا تعني الفوضى، والنقد لا يعني الإهانة، والمعارضة لا تعني التشهير، والإختلاف السياسي أو الديني لا يبرر التحريض.
المطلوب أن نستخدم الذكاء الإصطناعي بذكاء كي يكون في خدمة الطبيب والمهندس والمحامي والأستاذ الجامعي والباحث والصحافي والمواطن، لا في متناول أصحاب النفوس الضعيفة الذين يحولونه إلى مصنع للإشاعات والفتن.
لقد أعطانا العلم أداة بالغة القوة، والمسؤولية تقتضي أن نثبت اليوم أننا نملك من الحكمة ما يكفي لإستخدامها في البناء لا في الهدم، وعلى قاعدة أن الذكاء الإصطناعي لا يهدد السلم الأهلي، الذي يهدده هو الإنسان عندما يستخدم الذكاء لإشعال ما عجز عن إطفائه لاحقاً.


