في حقل رماية تربل شرق طرابلس ، حدث أمر بسيط في ظاهره ، لكنه يحمل معنى كبيراً . عثرتُ على حجرٍ طبيعي جاءت ملامحه على هيئة خارطة لبنان ، وكأن الأرض نفسها قررت أن ترسم وطنها بعيداً عن الخرائط والحدود والأقلام .

وفي مكان آخر ، كانت بقايا قذيفة إسرائيلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً . من شظايا أرادت أن تحمل الموت والدمار ، صُنعت أرزة ، رمز لبنان الذي بقي واقفاً في وجه العواصف .

بين الحجر والقذيفة حكاية وطن .
الأول صنعته الطبيعة من دون تدخل الإنسان ، فجاءت ملامحه شبيهة بلبنان ، وكأن الوطن محفور في الأرض قبل أن يُرسم على الورق .
والثاني صنعه الإنسان من بقايا الحرب ، فحوّل أداة الدمار إلى رمز للحياة والصمود .
قد تكون المصادفة هي التي وضعت خارطة لبنان في حجر ، وقد يكون الإنسان هو الذي حوّل شظايا الحرب إلى أرزة ، لكن المعني واحد . لبنان أكبر من أزماته وحروبه ، وأعمق من خلافات أبنائه .
ما أرادوه ناراً وخراباً ، يمكن أن يتحول إلى ذاكرة . وما خلّفته الحرب من شظايا ، يمكن أن يصبح شاهداً على قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى معنى .
لبنان قد ينحني تحت ثقل العواصف ، وقد تتبدل فيه الوجوه والعهود والظروف ، لكنه لا يُختصر بحرب ، ولا تسقطه قذيفة ، ولا تمحو هويته الأزمات .
حجرٌ رسمته الطبيعة ، وأرزةٌ صُنعت من بقايا قذيفة . وبينهما وطنٌ يقول لنا بصمت ، قد يدمّرون حجراً ، وقد يقتلعون شجرة ، وقد يهدمون منزلناً ويزرعون الخراب ، لكنهم لا يستطيعون اقتلاع وطنٍ من أرضه وذاكرة أبنائه .
هكذا ترسم الطبيعة لبنان ، وهكذا يصنع أبناؤه من الألم أملاً .
لبنان ليس مجرد خارطة على ورق ، إنه أرضٌ تحفظ شكله ، وأرزٌ يحفظ رمزه ، وذاكرةٌ تحفظ حكايته .


