العميد الركن مروان زاكي (م)
في الأيام الأخيرة ، سمعنا من يحمّل البطريرك الطوباوي إلياس الحويك مسؤولية كل ما آل إليه لبنان ، وكأن الرجل هو من بدّل ديموغرافية البلاد ، أو باع الأراضي ، أو شجّع الهجرة ، أو خفّض نسب الولادات ، أو أشعل الحروب التي عرفها لبنان طوال قرن من الزمن .
إذا كان لا بد من فتح ملف التاريخ ، فلنفتحه كاملاً .
هل البطريرك الحويك هو الذي باع المناطق المسيحية في أطراف بيروت؟ وهل هو الذي دفع آلاف العائلات إلى الهجرة نحو أوروبا والأميركيتين وأستراليا؟ وهل هو الذي شجّع على بيع الأراضي للمضاربة والربح السريع؟ أم أن هذه الخيارات اتخذها أصحابها ، فرداً فرداً ، على مدى عقود طويلة؟
ولمن كانت الضواحي المحيطة ببيروت ، التي نعرفها اليوم بالضاحية الجنوبية؟ وكيف انتقلت ملكيات واسعة فيها عبر السنين؟
هذه أسئلة تاريخية تحتاج إلى إجابات هادئة ، لا إلى اتهامات انفعالية .
لقد شهد المجتمع المسيحي ، كما غيره ، تحولات اجتماعية عميقة . ازداد الارتباط بالغرب ، واتسعت الهجرة ، وتأخر سن الزواج ، وتراجعت معدلات الإنجاب ، وازدادت النزعة الفردية والاستهلاكية . وفي المقابل ، عرفت طواىف لبنانية أخرى معدلات نمو سكاني أعلى ، فكان من الطبيعي أن تتغير الخريطة الديموغرافية مع مرور الزمن .
ثم جاءت الحروب ، والتهجير ، والأزمات الاقتصادية ، فسرّعت هذا التحول ، بينما استمرت عمليات بيع الأراضي في كثير من المناطق من دون رؤية وطنية بعيدة المدى .
إن اختزال كل هذه التحولات التاريخية بشخص البطريرك الحويك ليس قراءةً للتاريخ ، بل هروبٌ من المسؤولية . فهذا الرجل كان ابنَ مرحلةٍ تاريخية سعى فيها إلى قيام كيانٍ لبناني يراه قابلاً للحياة .
أما ما جرى بعد ذلك ، فلم يكن مسؤولية البطريرك الحويك ، بل مسؤولية أجيالٍ متعاقبة من السياسيين الذين لم يصونوا الأمانة ، وأحزابٍ غذّت العصبيات الطائفية والمذهبية ، وقياداتٍ قدّمت مصالحها الخاصة على مصلحة الوطن ، ومجتمعٍ استسلم في كثير من الأحيان لمنطق التبعية بدل أن يتمسّك بالمواطنة والمسؤولية الوطنية .
إن مراجعة التاريخ مطلوبة ، ولكنها يجب أن تكون عادلة . فالأمم لا تبني مستقبلها بإيجاد متهم واحد لكل أزماتها ، بل بالاعتراف بأخطائها الجماعية ، والتعلم منها ، حتى لا تتكرر .
ولا يتسع هذا المقال لاستعراض جميع الأسباب التي أوصلت لبنان إلى واقعه الحالي ، من الفساد المستشري ، وسرقة المال العام والمال الخاص ، وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية ، وإضعاف مؤسسات الدولة ، واستمرار نظام المحاصصة الطائفية ، وسوء الإدارة ، وارتهان القرار الوطني للخارج .
غير أن تحميل البطريرك الحويك وحده مسؤولية كل ذلك ، ليس إنصافاً للتاريخ ولا خدمةً للحقيقة .


