جوزيف مخايل نخله
هناك رجال تصنعهم الأحداث، وهناك رجال يصنعون الأحداث، لكن قلة نادرة من البشر يصنعون فكرة تبقى أكبر من أعمارهم. ومن هؤلاء البطريرك الماروني الياس بطرس الحويّك، الذي لم يكن مجرد رأس للكنيسة المارونية، بل كان أحد كبار البنّائين الروحيين والسياسيين لفكرة لبنان الحديث.
إن طوباويته اليوم لا تعني أن الكنيسة تضيف اسماً جديداً إلى سجل القديسين وحسب، بل تعني أن لبنان مدعو إلى مراجعة ضميره الوطني، وأن يعيد اكتشاف الرجل الذي رأى في هذا الوطن رسالةً قبل أن يكون حدوداً، وإنساناً قبل أن يكون طائفة، وشراكةً قبل أن تكون سلطة.
ولعل أعظم ما في الحويّك أنه لم يبحث عن مجد شخصي، بل عن وطن يعيش بعده.
الكنيسة المارونية… حين أصبحت وطناً قبل قيام الدولة
لفهم الحويّك، لا بد من العودة إلى تاريخ الكنيسة المارونية نفسها. فمنذ انتقال البطريركية إلى وادي قنوبين في القرن الخامس عشر، لم تكن الكنيسة مجرد مؤسسة دينية، بل تحولت إلى الحارس الأخير لحرية الجماعة في زمن كانت فيه الحرية نادرة في المشرق.
وعلى امتداد قرون، حفظت الأديرة اللغة السريانية والتراث الليتورجي، ونسخت المخطوطات، وأقامت المدارس، وربطت جبل لبنان بروما وبالحركة الفكرية الأوروبية، في وقت كانت فيه معظم المنطقة غارقة في الأمية والصراعات.
ومع إنشاء المدرسة المارونية في روما سنة 1584، بدأت ولادة نخبة مارونية مثقفة حملت علوم الفلسفة واللاهوت واللغات والحقوق، وعادت إلى المشرق لتؤسس نهضة فكرية سبقت النهضة العربية الحديثة بعقود.
ومن هذه البيئة خرج رجال أصبحوا لاحقاً مهندسي النهضة اللبنانية، لا لأنهم سعوا إلى سلطة، بل لأنهم آمنوا أن الحرية لا تحيا إلا بالعلم، وأن الكرامة الإنسانية هي جوهر الإيمان.
الحويّك… ابن المجاعة الذي رفض أن يحكمه الجوع
ولد الحويّك سنة 1843 في حلتا، في زمن كانت فيه السلطنة العثمانية تمر بتحولات عميقة.
دخل الرهبانية صغيراً، ثم تابع دراسته في روما، حيث تعرّف إلى الفكر الكاثوليكي الاجتماعي وإلى مفهوم الدولة الحديثة، فعاد مقتنعاً بأن الكنيسة لا تستطيع الاكتفاء بخلاص النفوس، بل عليها أيضاً أن تدافع عن كرامة الإنسان في حياته اليومية.
وحين اجتاحت المجاعة لبنان خلال الحرب العالمية الأولى (1915–1918)، وذهب ضحيتها عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من السكان وفق تقديرات تاريخية مختلفة، لم يحصر الحويّك مساعدات الكنيسة بالمسيحيين، بل فُتحت مخازن الأديرة لكل محتاج.
لقد كان يدرك أن الجوع لا دين له، وأن الخبز هو أول لغة للحوار بين البشر.
مؤتمر فرساي… عندما وقف البطريرك أمام العالم
في عام 1919، وصل الحويّك إلى مؤتمر الصلح في فرساي.
كان الجميع يومها يتحدث عن تقسيم تركة الدولة العثمانية، أما هو فكان يتحدث عن قيام وطن.
لم يطالب بامتيازات للموارنة، بل طالب بلبنان قادر على الحياة اقتصادياً، ولذلك أصر على ضم الساحل إلى الجبل، وعلى ضم البقاع وعكار والجنوب، لأن الجبل وحده كان سيبقى فقيراً، محاصراً، عاجزاً عن تأمين الغذاء والمرافئ.
وقد أدرك أن الاستقلال السياسي لا قيمة له إذا بقي الشعب جائعاً.
لهذا كان لبنان الكبير بالنسبة إليه مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً قبل أن يكون مشروعاً سياسياً.
لماذا رفض الدولة الطائفية؟
وهنا تكمن عبقريته.
كان يستطيع أن يطالب بدولة مسيحية خالصة، وكانت بعض القوى الدولية ترى في ذلك خياراً ممكناً.
لكنه رفض.
لأنه كان يرى أن المسيحيين في المشرق لا يعيشون إلا مع شركائهم المسلمين، وأن المسلمين أيضاً لا يكتمل مستقبلهم إلا بالشراكة مع المسيحيين.
لقد سبق عصره بعقود.
كان يتحدث عن المواطنة قبل أن تدخل الكلمة إلى القواميس السياسية العربية.
هل نجحت تجربة لبنان؟
بعد أكثر من مئة عام، يبقى السؤال المؤلم:
هل نجح لبنان؟
الجواب ليس أبيض ولا أسود.
نجح في صناعة الحرية.
نجح في بناء الجامعات.
نجح في الصحافة.
نجح في الثقافة.
نجح في الاقتصاد لعقود.
ونجح في أن يصبح مساحة لقاء بين الشرق والغرب.
لكنه فشل في بناء دولة أقوى من الطوائف.
وفشل في تحويل التنوع إلى مواطنة.
وفشل في حماية مؤسساته من الزبائنية والفساد والانقسامات والحروب.
ولذلك فإن الأزمة اللبنانية ليست أزمة صيغة فقط، بل أزمة قيادة، وأزمة ثقافة سياسية، وأزمة دولة.
هل ما زال المسلمون والمسيحيون يريدون الشراكة؟
هذا السؤال لا يجوز أن يُجاب عنه بالعواطف.
ففي المجتمعين المسلم والمسيحي تيارات متمسكة بلبنان الرسالة، وتيارات أخرى تقدّم الانتماءات المذهبية أو الإقليمية على الانتماء الوطني.
ولهذا، فإن مستقبل لبنان لا يتوقف على إرادة طائفة بعينها، بل على قدرة جميع اللبنانيين على تجديد الثقة ببعضهم البعض، وعلى إعادة الاعتبار للدولة بوصفها المرجعية المشتركة.
إن تجربة القرن الأول أثبتت أن لا فريق يستطيع أن يبني لبنان وحده، ولا فريق يستطيع أن يلغي الآخر دون أن يهدم الوطن نفسه.
الكنيسة أمام امتحان جديد
ربما يكون هذا هو التحدي الأكبر.
ففي الماضي كانت الكنيسة تصنع المدارس والجامعات والمستشفيات.
واليوم عليها أن تصنع القادة.
لبنان لا يحتاج إلى زعماء جدد بقدر ما يحتاج إلى رجال دولة.
ولا يحتاج إلى كثرة السياسيين بقدر حاجته إلى نخبة من المفكرين الرؤيويين، مع العلم ان لديه تخمة من الطاقات وما يزيد اذا أريد تبلورها.
لقد أنجبت الكنيسة المارونية عبر تاريخها علماء ومؤرخين ولغويين ومربين ورواد نهضة، وأسهمت في إنشاء مؤسسات تعليمية وثقافية تركت أثراً عميقاً في لبنان والمنطقة. وهذا الإرث يمكن أن يشكل أساساً لنهضة جديدة، بالتعاون مع سائر المؤسسات الدينية والثقافية والوطنية.
لبنان… رسالة لم تنتهِ
في عام 1989 وصف البابا يوحنا بولس الثاني لبنان بأنه “أكثر من وطن، إنه رسالة”. لم يكن يقصد امتيازاً للبنانيين، بل مسؤولية تقع على عاتقهم: أن يبرهنوا أن التعددية والحرية والعيش المشترك يمكن أن تكون نموذجاً قابلاً للحياة في الشرق.
إن رسالة لبنان لا تكتمل إلا إذا عاد وطناً يحمي حرية الضمير، ويصون كرامة الإنسان، ويحتضن الإبداع، ويجعل من القانون المرجعية العليا، ومن المواطنة هوية جامعة.
ربما لا يكون أعظم ما تركه البطريرك الحويّك هو لبنان الكبير، بل الإنسان اللبناني الكبير الذي حلم به.
كان يريد وطناً لا يخاف فيه المسلم من المسيحي، ولا المسيحي من المسلم، ولا المواطن من الدولة، ولا الدولة من الحرية.
كان يريد دولةً تُقاس عظمتها بعدد مدارسها لا بعدد متاريسها، وبعدد كتبها لا بعدد بنادقها، وبقوة عدالتها لا بقوة زعمائها.
إن طوباوية الحويّك ليست احتفالاً بالماضي، بل امتحانٌ للمستقبل. فإن اكتفينا بتكريم الرجل ونسينا رسالته، خسرنا الاثنين معاً. أما إذا استعدنا مشروعه بروح العصر، وجعلنا من الشراكة والمواطنة والعدالة والحرية أركاناً للدولة، فإن لبنان يستطيع أن يستعيد مكانته، لا بوصفه وطناً صغيراً على خريطة الشرق، بل فكرةً كبيرةً في ضمير الإنسانية.
فالأوطان التي تقوم على القوة قد تكبر ثم تتلاشى، أما الأوطان التي تقوم على الرسالة فتبقى، لأن الرسالة، إذا تجذّرت في الإنسان، لا تموت.


