العميد الركن مروان زاكي (م)
في أي مواجهة كبرى ، لا يكفي النظر إلى القدرة على إطلاق الصواريخ ، بل إلى ميزان القوى الشامل : العسكري ، والاقتصادي ، والسياسي ، والقدرة على تحمّل حرب طويلة . وإذا كان سيناريو المواجهة يقوم على أن الولايات المتحدة تضرب إيران ، فيما تردّ إيران باستهداف دول الخليج أو حلفاء واشنطن في المنطقة ، فإن النتيجة الاستراتيجية لا تكون في صالح إيران ، لأن الولايات المتحدة تبقى بعيدة عن ساحة الدمار المباشر ، بينما تتحمل دول المنطقة القسم الأكبر من الخسائر .
أما إذا لم تتمكن إيران من إيقاع خسائر وتحديداً بشرية وعسكرية مؤثرة بالقوات الأمريكية ، فإن قدرتها على تغيير مسار الحرب تبقى معدومة ، مهما بلغت كثافة الردود أو حجم الدعاية السياسية . فالحروب لا تُقاس بالشعارات ، بل بقدرة كل طرف على فرض إرادته على خصمه .
ولعل التجربة اللبنانية تقدم مثالاً واضحاً على ذلك .
فبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، شاركت القوات متعددة الجنسيات ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة . لكن بعد مقتل مئات من جنود المارينز في تفجير مقرهم في مطار بيروت عام 1983 ، لم تحتج واشنطن إلى ضغوط سياسية أو عسكرية إضافية كي تعيد النظر في وجودها ، بل قررت ليس الانسحاب بل الهرب . فقد أثبتت التجربة أن الخسائر البشرية في صفوف الجنود الأمريكيين تشكل عاملاً بالغ التأثير في القرار السياسي الأمريكي ، بسبب وزن الرأي العام والناخب الأمريكي في صناعة القرار داخل الولايات المتحدة .
ومن هنا ، فإن أي طرف يواجه الولايات المتحدة ولا يستطيع إيقاع خسائر بشرية مؤثرة بقواتها ، يبقى عاجزاً عن تغيير إرادتها الاستراتيجية ، مهما بلغت قدرته على توجيه ضربات إلى حلفائها أو إلى دول أخرى في المنطقة .
من هنا ، تبدو الواقعية السياسية والعسكرية ضرورة لا خياراً . فالحكمة ليست في إطالة أمد المواجهة مهما كانت الكلفة ، بل في تقدير الموقف بدقة ، واختيار اللحظة التي تحفظ مصالح الدولة وشعبها . وإذا اعتبرت إيران أن مجرد بقائها وصمود نظامها هو شكل من أشكال الانتصار ، فهذا تعريف خاطئ ومختلف للنصر عن تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب .
يُضاف إلى ذلك أن كثيراً من أدوات القوة التي اعتمدت عليها إيران خلال العقود الماضية ، وفي مقدمتها الأذرع الإقليمية مثل حزب الله ، تعرضت لاستنزاف كبير ، ما يجعل هامش المناورة أضيق مما كان عليه في السابق .
إن الشجاعة في إدارة الدول ليست عناداً ، ولا هي العض على الإصبع حتى النهاية ، بل هي القدرة على قراءة ميزان القوى بواقعية ، واتخاذ القرار الذي يجنب الأوطان خسائر أكبر ، لأن أعظم الانتصارات هو ما يحققه العقل قبل أن تحسمه ساحات القتال .


