في الدول التي تحترم نفسها، يصل الإنسان إلى المنبر لأنه أثبت شيئًا في الواقع؛ أما في البيئات التي اختلط فيها الإعلام بالتسويق، فإن المنبر هو الذي يصنع الإنسان، ثم يطالب الواقع لاحقًا بالاعتراف به. هنا تكمن المفارقة التي غيّرت وجه الحياة السياسية في العقود الأخيرة: لم تعد الشهرة نتيجةً للإنجاز، بل صار الإنجاز نفسه تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه إذا نجحت ماكينة الظهور في أداء مهمتها.
لم تعد بعض المنابر تكتفي برواية الأحداث، بل باتت تتدخل في ترتيب أولوياتها، وتحديد أبطالها، واختيار من يستحق أن يبقى في دائرة الضوء. وما إن يتكرر الاسم بما يكفي، حتى يكتسب في المخيلة العامة وزنًا قد لا يملكه في الواقع. فالتكرار، عندما يتحول إلى صناعة، يصبح وسيلة لإنتاج الشرعية أكثر مما يكون وسيلة لنقل المعلومة.
وهكذا، يتسلل إلى الحياة العامة نموذج جديد من السياسيين؛ لا يحملهم تاريخ من الإدارة، ولا رصيد من الإصلاح، بل يحملهم الإيقاع المتواصل للعناوين، والقدرة على احتلال مساحة إضافية في كل نشرة، وكل برنامج، وكل منصة رقمية. إنهم أبناء المشهد، لا أبناء التجربة.
ولأن السوق الإعلامية تعيش سباقًا محمومًا على الانتباه، أصبحت القيمة الإخبارية تُقاس أحيانًا بقدرة التصريح على إشعال السجال، لا بقدرته على إضافة معرفة. ومع مرور الوقت، تنشأ علاقة تبادلية خطيرة: سياسي يبحث عن الانتشار بأي ثمن، ومنصة تبحث عن مادة تضمن التفاعل بأي ثمن. وبين الثمنين، تتراجع الحقيقة إلى الصفوف الأخيرة.
الأثر الأعمق لا يظهر في السياسة وحدها، بل في الثقافة العامة. فالمجتمع يبدأ تدريجيًا بإعادة تعريف القيادة. تصبح البلاغة بديلًا عن الخبرة، والحضور المتكرر قرينةً على الأهمية، فيما تتحول الكفاءة إلى فضيلة صامتة لا تجيد منافسة الضوضاء. وعندما تتبدل معايير التقدير، يصبح من الطبيعي أن يتقدم الأكثر ظهورًا على الأكثر أهلية.
الصحافة، في جوهرها، ليست مصنعًا للنجوم، بل ذاكرة يومية للمجتمع. وإذا فقدت هذه الوظيفة، تحولت إلى مرآة مشوّهة؛ لا تعكس حجم الأشياء كما هي، بل كما تريد نسب المشاهدة أن تراها. عندها، لا يعود الرأي العام يرى المشهد، بل يرى نسخةً أُعيد ترتيبها بعناية، حيث تختفي شخصيات، وتتضخم أخرى، لا وفق ميزان الاستحقاق، بل وفق منطق السوق.
ولذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في صحيفة تبالغ في عنوان، أو في برنامج يفضّل الإثارة على التوازن، بل في اعتياد المجتمع على هذا النمط حتى يغدو جزءًا من ذائقته السياسية. وعندما يحدث ذلك، يصبح الطريق إلى المسؤولية العامة أقصر عبر الاستوديو من المؤسسة، وأسهل عبر الجدل من العمل، وأسرع عبر الصورة من السيرة.
إن الأوطان لا تُدار بمن يفوز في سباق الظهور، بل بمن ينجح في اختبار المسؤولية. والسياسة، مهما تغيرت أدواتها، تبقى فعل بناء لا فن استعراض. وكل إعلام ينسى هذه الحقيقة، لن يكون شاهدًا على التاريخ، بل شريكًا في كتابة فصل من فصوله الأكثر التباسًا.


