ليست المأساة أن تُقال كذبة في العلن، بل أن تجد لها مقاعد في العقول، ومنابر في المجالس، وحراسًا يدافعون عنها كأنها حقيقة مقدّسة. عندها لا يعود الخطر في المزوِّر، بل في البيئة التي تمنحه التصفيق، وفي الذاكرة التي تُمحى، وفي الضمير الذي يتعب من المقاومة فيستسلم.
حين يتسلل الزيف إلى نسيج الحياة، تتبدل وظيفة الكلام. لا يعود وسيلة كشف، بل أداة تمويه. ولا يعود النقاش بحثًا عن الصواب، بل معركة لإلباس المصالح ثوب المبادئ. تُنحَت الروايات على قياس أصحاب النفوذ، وتُلوَّن الوقائع بما يناسب الغرائز، ويُدفع الناس إلى التصديق لا لأن الدليل أقنعهم، بل لأن الخوف أو الانتماء أو المصلحة سبق العقل إلى القرار.
في مجتمع كهذا، لا تُغتال الحقيقة دفعة واحدة؛ تُنهك بالتقسيط. تُحاصر بالسخرية، تُربك بالضجيج، تُدفن تحت فائض التأويل، ثم تُستدعى عند الحاجة كزينة لا كمرجع. ومع الوقت، يصير السؤال البسيط: “ماذا حدث؟” أعقد من سؤال المستقبل، لأن الحاضر نفسه يصبح محاصرًا بالتمويه.
الأشدّ خطورة ليس أن يكثر المخادعون، بل أن تفقد الجماعة حاسة النفور من الخديعة. أن يصبح الواضح مربكًا، والنزيه متَّهَمًا، والمتلوّن ذكيًا، وصاحب القناع أقدر على الإقناع من صاحب الوجه. هنا لا ينهار المجتمع بالضربة القاضية، بل بالاعتياد: اعتياد التبرير، اعتياد الالتباس، اعتياد أن تكون النجاة أهم من الكرامة.
وحين يبلغ الزيف هذه المنزلة، لا تعود الحقيقة بحاجة إلى خطيب يعلنها فقط، بل إلى وجدان يستقبلها، وإرادة تصونها، وناس لم يبيعوا قدرتهم على الدهشة أمام الوقاحة. فالأمم لا تسقط حين تُكذب عليها مرة، بل حين تتصالح مع الكذب إلى حدّ تعتبر الصدق إزعاجًا، والمحاسبة قسوة، والاستقامة نوعًا من السذاجة.
هناك تبدأ الهزيمة الحقيقية : حين لا يعود الباطل يحتاج إلى إخفاء وجهه ، لأن المجتمع صار يراه… ولا يرتجف.


