العميد الركن مروان زاكي (م)
جميل أن يتحمس الإنسان لفريق رياضي عالمي ، فالتشجيع جزء من متعة الرياضة ، وكرة القدم لغة تجمع الشعوب وتمنح جماهيرها لحظات من الفرح والإثارة . ولا اعتراض على أن يفرح المشجع لفوز فريقه المفضل ، مهما كان انتماؤه .
لكن ، لو كان هذا القدر من الحماس يُمنح لمنتخبنا الوطني ، أو لقضية وطنية جامعة ، لأعطيت أصحابه كل الحق ، بل وشاركتهم هذا الشعور . أما أن يتحول تشجيع فريق أجنبي إلى حالة من الهستيريا والاستقتال العاطفي ، وإلى مواكب سيارات تجوب الشوارع ذهاباً وإياباً ، ومفرقعات تُقلق الناس ، وأبواق لا تهدأ حتى ساعات الفجر ، فهنا تنتقل المسألة من الرياضة إلى سلوك لا مبرر له .
من حق كل إنسان أن يفرح ، لكن ليس من حقه أن يفرض هذا الفرح على الآخرين ، أو أن يحرم المرضى وكبار السن والأطفال من راحتهم ، أو أن يعطل حياة الناس باسم الانتصار الرياضي .
ففي الرياضة ، الأصل أن يكون الانحياز للأداء الجميل واللعب الراقي ، لا للأشخاص ولا للأندية ولا الدول الأجنبية .
أما المنتخب الوطني ، فهو وحده الذي يستحق أن يتحول التشجيع فيه إلى قضية انتماء ، لأنه يمثل الوطن لا مجرد فريق .
والمفارقة المؤلمة أن هذا الحماس الجارف لا نراه بالقدر نفسه عند الإنجازات الوطنية ، ولا عند القضايا المصيرية التي تمس مستقبل الأوطان والشعوب . وكأن الانفعال أصبح أسهل من الالتزام ، والاحتفال أسهل من العمل .
إن ما نشهده لا يعكس حباً للرياضة بقدر ما يكشف عن خلل في ترتيب الأولويات . فالرياضة تُهذّب الأخلاق ، ولا تبرر الفوضى ، وتشجع على المنافسة الشريفة ، لا على تعطيل حياة الآخرين .
وفي النهاية ، فإن المبالغة في هذا السلوك ، إذا دلّت على شيء ، فإنما تدل على سطحية في فهم معنى التشجيع ، وفراغٍ يجعل الإنسان يبحث عن انتصارٍ مستعار ، بينما تغيب عنه الانتصارات الحقيقية التي تستحق كل هذا الحماس .


