لا حرب تستحق أن تمتد إلى الأبد، ولا وطن يستطيع أن يبني غده وهو مثقل بالانقسام وتعدد السلطات وتنازع المرجعيات. فلبنان، بعد سنوات طويلة من النزف والمعاناة، يقف اليوم أمام فرصة دقيقة قد لا تتكرر: فرصة الانتقال من إدارة الحرب إلى صناعة السلام، ومن صراع النفوذ إلى بناء الدولة.
لقد فرضت الحرب واقعًا سياسيًا وأمنيًا وإداريًا معقدًا، أفرز قوى وسلطات متوازية، لكل منها نفوذها وحساباتها. وبين هذه الحسابات كلها، بقي المواطن اللبناني هو الخاسر الأكبر، يدفع من أمنه ومعيشته وتعليمه وصحته ثمن الانقسام، فيما تتراجع فرص التنمية وتتعمق الأزمات الاقتصادية والإنسانية.
غير أن هذا الواقع، مهما طال، لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن الدولة. فالسلطات المتعددة قد تدير مرحلة من الصراع، لكنها لا تؤسس وطنًا مستقرًا. والدول لا تُبنى بازدواجية القرار، ولا تستقيم بمرجعيات متنافسة، ولا ينهض اقتصادها حين يصبح القرار الوطني موزعًا بين أكثر من يد وأكثر من اتجاه.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية، كما أثبتت تجارب كثيرة في العالم، أن الحسم العسكري لا يصنع سلامًا دائمًا، وأن المنتصر الحقيقي ليس من يطيل الحرب، بل من يملك شجاعة إنهائها. فالانتصار الأعمق هو أن يتحول خصوم الأمس إلى شركاء في مستقبل واحد، وأن تُبنى شرعية وطنية جامعة تستند إلى الدستور، والتوافق، وإرادة اللبنانيين.
من هنا، لم يعد الحوار ترفًا سياسيًا ولا خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة وطنية. والمقصود ليس حوار غالب ومغلوب، بل حوار يفتح الباب أمام تسوية عادلة تحفظ كرامة الجميع، وتعيد الاعتبار للدولة الواحدة، وتضع مصلحة لبنان فوق حسابات اللحظة وضغوط الخارج.
وفي منطقة تزداد توترًا، يصبح إغلاق ملف الحرب في لبنان ضرورة مضاعفة، قبل أن يتحول الوطن مجددًا إلى ساحة تتلقى ارتدادات الصراعات الإقليمية. فاستمرار النزاع لا يحمي أحدًا، بل يضاعف الخسائر، ويعمق الشروخ، ويؤخر الإعمار، ويبدد ما تبقى من ثقة المواطن بدولته.
لقد تعب اللبنانيون من الحرب، وتعبوا أكثر من انتظار نهايتها. لذلك، تحتاج اللحظة الراهنة إلى شجاعة من نوع آخر: شجاعة الانتقال من لغة السلاح إلى لغة السياسة، ومن إدارة الخلاف إلى صناعة التوافق، ومن تعدد السلطات إلى وحدة الدولة.
فالتاريخ لا يخلّد من أطالوا الحروب، بل من امتلكوا الجرأة على إنهائها. وأعظم ما يمكن أن يقدمه قادة اليوم للأجيال المقبلة هو أن يفتحوا صفحة جديدة عنوانها السلام والشراكة والدولة، وأن يثبتوا أن لبنان قادر، بإرادة أبنائه ودعم أشقائه، على طيّ صفحة الصراع واستعادة مكانته وطنًا موحدًا، آمنًا، ومستقرًا.
كلمة حق نقولها : الأوطان لا تنتصر بالحروب الطويلة، بل حين ينتصر أبناؤها للحكمة ، ويجعلون من السلام طريقًا إلى المستقبل.


