في السياسة، قد يتأخر الحساب… لكنه لا يسقط أبدًا.
فمن يزرع الفتنة، ويعتاش على الكذب، ويتاجر بقضايا الناس، ويهدم المؤسسات في سبيل كرسي أو نفوذ، لا يحتاج إلى خصوم ينتقمون منه ؛ لأن ما زرعه سيعود إليه يومًا، لا عقابًا من أحد، بل نتيجةً طبيعية لاختياراته.
هناك من يظن أن المنصب درع، وأن النفوذ حصانة، وأن الضجيج الإعلامي قادر على دفن الحقيقة. لكنه ينسى أن الحقيقة قد تتأخر… لكنها لا تموت، وأن التاريخ لا يحفظ عدد المنتصرين، بل يتذكر كيف انتصروا، وبأي ثمن.
فالسياسة ليست فن الخداع، ولا صناعة المؤامرات، ولا بازارًا للمصالح الشخصية. إنها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة، ورسالة وطنية قبل أن تكون موقعًا. وعندما تتحول إلى وسيلة لتصفية الحسابات، وإقصاء أصحاب الكفاءة، وتقديم الولاءات على مصلحة الوطن، يبدأ العدّ العكسي للسقوط، مهما طال الزمن.
لسنا بحاجة إلى الدعاء على أحد، ولا إلى التشفّي بأحد. يكفي أن يتحمل كل إنسان نتائج ما صنع بيديه. فالعدالة الحقيقية لا تبدأ في قاعات المحاكم، بل في اللحظة التي يتجرع فيها الإنسان من الكأس التي قدّمها لغيره.
ومن جعل الكذب منهجًا، والانتهازية وسيلة، والخيانة سلّمًا إلى السلطة، فلا يستغرب إذا انهار السلم تحت قدميه. فالأيام لا تنسى، والذاكرة السياسية لا تُمحى، والتاريخ لا يغفر لمن خان وطنه، أو استغل شعبه، أو حوّل العمل العام إلى تجارة.
وفي النهاية… لا يسقط الإنسان لأن خصومه كانوا أقوى منه، بل لأنه كان أضعف من مبادئه. فالتاريخ لا يرحم من باع ضميره، ولا يغفر لمن حفر حفرةً لغيره، ثم كان أول من ابتلعته.


