ليس أكثر الأوطان فقرًا ذلك الذي تنضب موارده ، بل الذي يعجز عن الاحتفاظ بأغلى ثرواته : الإنسان.
فالذهب يُستخرج من باطن الأرض، والنفط قد يُكتشف في أي لحظة، أما العقل فلا يُولد بين ليلة وضحاها، بل تصنعه سنوات من العلم والتعب والتجربة. وحين يرحل، لا يغادر فردًا فحسب، بل يأخذ معه سنواتٍ من الاستثمار، وجزءًا من ذاكرة الوطن، واحتمالًا كان يمكن أن يصبح إنجازًا.
لقد تغيّرت موازين القوة في العالم. لم تعد الأمم تُقاس بما تملكه من ثروات طبيعية، بل بما تحتضنه من عقول قادرة على الابتكار وصناعة المعرفة. فالمستقبل لم يعد يُكتب في آبار النفط، بل في المختبرات، والجامعات، ومراكز الأبحاث، وشركات التكنولوجيا.
ومن هنا، لم تعد هجرة الأدمغة مجرد ظاهرة اجتماعية، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على حماية مستقبلها.
وفي لبنان، تبدو الصورة أكثر إيلامًا.
فهذا الوطن الذي طالما قدّم للعالم أطباءً لامعين، ومهندسين مبدعين، وباحثين متميزين، ومبرمجين ينافسون في أكبر الشركات العالمية، يجد نفسه اليوم عاجزًا عن الاحتفاظ بمن صنعوا سمعته العلمية. يستثمر في تعليمهم، ثم يقف متفرجًا وهم يحملون أحلامهم إلى أوطانٍ أخرى، لا لأنهم تخلّوا عن وطنهم، بل لأن وطنهم تخلّى عنهم.
ولا يهاجر الإنسان لأنه يعشق الغربة، بل لأنه يبحث عن مكانٍ يُقدَّر فيه علمه، وتُحترم فيه كفاءته، ويشعر فيه أن مستقبله يُبنى بجهده، لا بصلاته، وباستحقاقه، لا بواسطته.
وهنا تكمن المأساة.
فالدولة لا تخسر طبيبًا أو مهندسًا أو باحثًا فحسب، بل تخسر مشروعًا كان يمكن أن يولد، وفرصة عمل كان يمكن أن تُخلق، واكتشافًا كان يمكن أن يحمل اسم لبنان إلى العالم.
ومع ذلك، فإن النظر إلى الهجرة بوصفها خسارة مطلقة، قد يكون قراءة ناقصة للواقع.
فالكفاءات التي غادرت لم تفقد انتماءها، بل حملت معها اسم وطنها أينما حلّت. وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن العقول المهاجرة يمكن أن تتحول إلى قوة وطنية هائلة متى امتلكت الدولة رؤية واضحة لكيفية التواصل معها، والاستفادة من خبراتها، وتشجيعها على الاستثمار، ونقل المعرفة، وبناء الشراكات العلمية والاقتصادية.
فالمشكلة ليست في أن يسافر الإنسان، بل في أن تنقطع الجسور بينه وبين وطنه.
الدول الناجحة لا تمنع أبناءها من الرحيل، لأنها تدرك أن المعرفة لا تعرف الحدود، لكنها تحرص على ألا تتحول الهجرة إلى قطيعة. تفتح لهم أبواب العودة متى أرادوا، وتمنحهم أسباب المشاركة وهم في الخارج، وتجعلهم امتدادًا لقوتها، لا شاهدًا على عجزها.
أما نحن، فما زلنا نتعامل مع الكفاءات وكأنها أرقام في سجلات النفوس، لا ثروة وطنية يجب حمايتها.
إن الحفاظ على العقول لا يكون بالخطب الرنانة، ولا بالشعارات التي تُرفع في المناسبات، بل ببناء دولة يشعر فيها الإنسان أن مستقبله لا يحتاج إلى واسطة، وأن القانون يحمي اجتهاده، وأن الكفاءة هي الطريق الطبيعي إلى النجاح.
فحين يشعر الشاب أن وطنه يثق بقدراته، لن يبحث عن وطنٍ آخر يمنحه تلك الثقة.
وفي النهاية، ليست هجرة الأدمغة خيانةً للوطن، كما أنها ليست قدرًا لا يُرد. إنها رسالة صامتة ينبغي أن تُقرأ جيدًا. فكل عقل يغادر لا يقول إنه كره وطنه، بل يقول إن وطنه لم ينجح في الاحتفاظ به.
فالأوطان لا تُقاس بما تُصدّره من سلع ، بل بما تحتفظ به من عقول. وحين يصبح تصدير الكفاءات إنجازًا نتغنّى به، بينما نعجز عن توفير أسباب بقائها، لا يكون المستقبل قد سبقنا فحسب… بل يكون قد غادرنا.


