ليست أخطر الحروب تلك التي تُقاس بعدد القذائف، ولا أكثرها فتكًا تلك التي تُحصى فيها أعداد القتلى.
فهناك حربٌ صامتة لا تُسمع فيها صفارات الإنذار ، ولا تُرى على شاشات الأخبار، لكنها تتسلل إلى البيوت كما يتسلل الليل، وتقتل الإنسان ببطء، وهو لا يزال يتنفس.
إنها حرب الجوع… الحرب التي لا تُسفك فيها الدماء دفعةً واحدة، بل تُستنزف فيها الكرامة يومًا بعد يوم.
حين يعجز الأب عن شراء رغيف، وتخجل الأم من عيني طفلها لأنها لا تملك ما تُطعمه، يصبح الوطن كلّه واقفًا على حافة السقوط، لأن الدول لا تنهار أولًا عند حدودها، بل تنهار عندما تعجز عن حماية أبسط حقوق الإنسان فيها: أن يعيش بكرامة.
لقد خرج لبنان من الحروب مثقلًا بالجراح، لكنه وجد نفسه في مواجهة عدو أشد قسوة. فالمدافع قد تصمت، أما الجوع فلا ينام. والأسعار ترتفع بلا رحمة، والعملة تفقد قيمتها، والقدرة الشرائية تتآكل، فيما تتسع دوائر الفقر والبطالة والهجرة، حتى بات آلاف اللبنانيين يستيقظون كل صباح على السؤال ذاته: كيف ننجو من هذا اليوم؟
ولم يقل الأجداد عبثًا إن «الجوع كافر». فالجوع لا يسرق الطعام فحسب، بل يسرق الصبر، ويُضعف الضمير، ويُربك العقل، ويكسر الكبرياء. إنه الامتحان الذي قد يخسر فيه الإنسان كل شيء وهو يحاول أن يحافظ على إنسانيته.
ولذلك، لم تكن الثورات الكبرى في التاريخ وليدة الخطب الرنانة ولا البيانات السياسية، بل خرج كثير منها من بيوتٍ خلت موائدها، ومن شعوبٍ أنهكها الحرمان حتى صار الصمت فيها نوعًا من المستحيل. فحين يلتقي الجوع باليأس، ويصافح الظلمُ العجزَ، يولد غضبٌ لا تعود السياسة قادرة على احتوائه، ولا الأمن قادرًا على ردعه.
إن ثورة الجياع ليست حدثًا سياسيًا، بل زلزالًا اجتماعيًا. وإذا وقعت، فلن تسأل الناس عن أحزابهم، ولا عن طوائفهم، ولا عن مواقعهم. فالجوع لا يعترف بالامتيازات، ولا يميّز بين حاكم ومحكوم، ولا يطرق بابًا دون آخر . إنه يدخل حيث تغيب العدالة، ويتمدد حيث تعجز الدولة عن أداء واجبها، حتى يصبح الوطن كله رهينة رغيف مفقود.
ولأن النار تُطفأ بشرارةٍ قبل أن تتحول إلى حريق، فإن المسؤولية الوطنية تفرض التحرر من الحسابات الضيقة، والانصراف إلى حماية الإنسان قبل أي شيء آخر. فمكافحة الاحتكار، وضبط الأسواق، وإحياء الاقتصاد، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وصون القدرة الشرائية، ليست ملفات إدارية مؤجلة، بل خطوط الدفاع الأخيرة عن السلم الأهلي.
إن الأمن لا يبدأ من الثكنات، بل من المائدة. ولا تحمي الأوطان كثرة السلاح إذا كان الجوع ينهش أبناءها. فالجندي الذي يحرس الحدود هو نفسه أبٌ يريد أن يُطعم أبناءه، والعامل الذي يبني وطنه لا يستطيع أن يواصل البناء إذا كان ينهار من الداخل.
إن الدولة التي تعجز عن حماية كرامة مواطنيها، تفتح من حيث لا تدري أبواب الفوضى على مصاريعها. فكرامة الإنسان ليست بندًا في برنامج حكومي، بل هي أساس العقد الأخلاقي بين الدولة وشعبها، وهي آخر ما يجب أن يسقط.
ولذلك، فإن أخطر ما قد يواجه لبنان ليس حربًا جديدة، بل يومٌ يصبح فيه الجوع أقوى من الصبر، واليأس أعلى صوتًا من العقل، ويشعر الإنسان أن لا شيء بقي لديه ليخسره. عندها، لا تبدأ ثورة على حكومة أو على سلطة، بل تبدأ ثورة على واقعٍ خان الإنسان، وأفقده ثقته بوطنه.
فاحذروا الجائع إذا طال جوعه… لأنه لا يبحث عن الفوضى، بل عن الحياة. وإذا عجزت الدولة عن أن تمنحه حقه في الحياة الكريمة، فلن يكون السؤال يومًا لماذا ثار ، بل لماذا تُرك حتى لم يجد أمامه سوى الثورة.


