العميد الركن مروان زاكي (م)
في كل مرة ينعقد فيها مجلس النواب ، تُشلّ الحركة في قلب العاصمة . تُغلق الطرقات ، وتُقام الحواجز ، ويُحتجز آلاف المواطنين في زحمة خانقة ، في مشهد يتكرر حتى بات جزءاً من معاناة اللبنانيين .
فهل تستحق هذه المعاناة ، بكل ما تسببه من إزعاج وتعطيل لمصالح الناس ، وما تنتجه تلك الجلسات؟
لا خلاف على حق الدولة في اتخاذ ما يلزم من إجراءات أمنية لحماية المؤسسات الدستورية ، فهذا واجب لا نقاش فيه . لكن ، هل يُعقل أن يتحمل المواطن هذا الثمن في كل مرة ، فيما لا يرى في المقابل نتائج ملموسة تخفف من معاناته؟
فالمجلس النيابي لم يُوجد ليكون مجرد قاعة للاجتماعات أو منبراً لتبادل المواقف ، بل ليشرّع ، ويراقب ، ويحاسب ، ويُنتج القوانين التي تحمي الدولة وتصون حقوق المواطنين .
إن قيمة أي مؤسسة لا تُقاس بحجم الإجراءات الأمنية المحيطة بها ، بل بحجم الإنجازات التي تحققها . فكلما كان الأداء منتجاً ، تقبّل المواطن ما تفرضه الضرورات الأمنية . أما عندما يغيب الإنجاز ، فإن الإزعاج اليومي يفقد مبرره ، ويتحول إلى عبء إضافي يُضاف إلى أعباء المعيشة والانهيار الاقتصادي .
وليس المطلوب إلغاء الإجراءات الأمنية ، بل أن تكون متناسبة مع الحاجة ، وأن تراعي حياة المواطنين قدر الإمكان ، وأن يشعر اللبناني بأن ما يتحمله من مشقة يقابله عمل جاد وقرارات مسؤولة تخدم المصلحة العامة .
واخيراً وليس اخراً ، هل من الضروري أن يبقى مقر مجلس النواب في قلب العاصمة ، حيث يؤدي انعقاد جلساته إلى شلّ الحركة وتعطيل مصالح آلاف المواطنين؟
أليس من الأجدى ، كما هو معمول به في كثير من الدول ، تخصيص مجمّع مؤسساتي خارج المناطق الأكثر ازدحاماً ، يوفّر متطلبات الأمن وسهولة الوصول ، ويخفف في الوقت نفسه من الأعباء اليومية التي يتحملها المواطنون؟
لقد آن الأوان لأن تدرك السلطة أن احترام المواطن لا يكون بالخطب والشعارات ، بل باحترام وقته ، وحقه في التنقل، وحقه في مؤسسات دستورية تُنجز أكثر مما تُعطّل .
فالدولة القادرة ليست تلك التي تُغلق الطرقات كلما اجتمعت مؤسساتها ، بل تلك التي تجعل المواطن يشعر بأن كل دقيقة يخسرها من وقته تعود إليه إنجازاً في أمنه ، واقتصاده ، ومستقبل أبنائه .
فحين يصبح المواطن ضحية جلسات لا تُنتج ، تصبح المشكلة في الأداء ، لا في الإجراءات .


